دستور الكويت
إن من يتتبع تاريخ الكويت ويرصد الأحداث والمواقف التي مرت بها وواجهتها وتصدت لها وتغلبت عليها وسارت في طريقها تقطع مرحلة بعد مرحلة منذ بداياتها الأولى حتى بلغت مرحلتها الراهنة، مرحلة الاستقلال وتقنين الدستور في أوائل الستينيات ، يجد أن هناك خطا بارزا ورباطا متينا ارتبطت به الكويت طوال تاريخها وذلك هو رباط الإخاء والتعاون وتبادل الرأي والمشورة حيال أي موقف أو حدث تعرضت له الكويت
فعلى هذا المنوال وعلي أساس الشورى وحرية الرأي وتبادل الآراء بين أفراد الجماعة، جرى اختيار صباح الأول للحكم حين التقى القوم وتجمعوا على هذه الأرض في الطرف الشمالي الغربي من الخليج العربي ، ارض الكويت حيث رأى سكانها آنذاك أن : " من الضروري أن يؤمر عليهم أمير منهم يكون مرجعا لحل المشكلات والاختلافات
كما تم كذلك بعد مرحلة الاستقلال الاهتداء بالتراضي والاتفاق على الانتقال إلى مرحلة الدستور وإرساء النظام الديمقراطي النيابي الذي ارتضاه الكويتيون حكاما ومحكومين كأساس لبناء مجتمعهم العصري الحديث ، وبهذا واصلت الكويت بخطى ثابتة موفقة إن شاء الله مسيرتها نحو الرقي والتقدم ، ويمكن تصنيف مواد الدستور إلى خمسة أبواب رئيسية هي
أولا : الدولة ونظام الحكم
إن أجواء الحرية التي نتفيأ تحت ظلالها في الكويت والنظام الديمقراطي البرلماني الذي نعيش في ظله منذ مطلع الستينيات بعد استقلال البلاد ، له في الواقع امتدادات وبدايات وممارسات في المراحل السابقة التي عاشتها الكويت في ظل الشورى والديمقراطية وحرية الرأي
أما عن الوثيقة الكبري الأولى والأساسية في حياة الشـعــب الكويتي : فهي بالطبع دستور عام 1962م الذي ارتضاه الكويتيون حكاما ومحكومين كأساس لبناء مجتمعهم العصري الحديث ، والذي هو خلاصة حياتهم وتجاربهم منذ أن نشأوا واستقروا على أرض الكويت المباركة وتتابعت بهم الحياة أبا عن جد وكابرا عن كابر ، وأحكام الدستور إنما جاءت في مجملها لترسيخ الأسس والثوابت التي سارت عليها الكويت منذ نشأتها وتشربتها نفوس أبنائها وجرت مجرى الدم في عروقهم من حيث الاعتماد في حياتهم وتصرفاتهم على أسس الشورى والديمقراطية والمشاركة الشعبية التي قررها وقننها الدستور للكويت في تطورها ومسيرتها الديمقراطية النيابية الحديثة
أما عن تفصيلات الوثيقة الأولى المتمثلة في دستور الكويت لعام 1962م ، فتناول في الباب الأول من الدستور وفي مواده الأولى من (1) حتى (6) ، كل ما يتعلق بكيان الدولة ومقوماتها ودينها ولغتها ونظام الحكم فيها
فالكويت دولة عربية مستقلة وشعبها جزء من الأمة العربية ولغتها الرسمية هي اللغة العربية ، وتدين بدين الإسلام الحنيف ، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي لما يصدر عنها من تشريعات وقوانين وأحكام . ونظام الحكم في الكويت ديمقراطي ، والسيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا . والكويت إمارة وراثية في ذرية المغفور له مبارك الصباح على أن يتولى الإمارة الأرشد - وليس بالضرورة الأكبر سنا - من ذرية مبارك الصباح ، وذلك طبقا لما بينته أحكام قانون توارث الإمارة الذي قضى الدستور في مادته الرابعة بأن يصدر بقانون خاص ، في خلال سنة من تاريخ العمل بالدستور وعلى أن يكون لقانون (توارث الإمارة ) صفة دستورية بحيث لا يجوز تعديله إلا بالطريقة المقررة لتعديل الدستور ، وقد صدر بالفعل هذا القانون الخاص عام 1964م وعلى أن يتم اختيار وتعيين ولي العهد خلال سنة على الأكثر من تولية الأمير ، ولا يصير الاختيار والتعيين نهائيا إلا بتصديق مجلس الأمة
وبعد هذا الإجمال بشأن ما تضمنه الدستور في بابه الأول وفي مواده الست الأولى من حيث هوية الدولة ودينها ولغتها ونظام الحكم فيها ، لا بد لنا من وقفتين قصيرتين نشير بهما إلى
الدوافع والأهداف والروح التي صيغت بموجبها أسس وأحكام الدستور
أحكام قانون توارث الإمارة والضرورة التي اقتضت إفراد قانون خـاص بـهــذا الشــأن ، لــه صفة دستورية ، ويعتبر بمجرد صدوره جزءا متمما للدستور
أما عن الدوافع والأهداف والروح التي أملت مواد وأحكام الدستور ، فهذا في الواقع ما أجملته وأفصحت عنه وبينته بكل جلاء ووضوح ديباجة الدستور ، بأنه قد صدر بدافع الرغبة في استكمال أسباب الحكم الديمقراطي وإيمانا بدور هذا الوطن في ركب القومية العربية وخدمة السلام العالمي والحضارة الإنسانية وسعيا نحو مستقبل أفضل ينعم فيه الوطن بمزيد من الرفاهية والمكانة الدولية ، ويفيء على المواطنين مزيدا كذلك من الحرية السياسية ، والمساواة ، والعدالة الاجتماعية ، ويرسي دعائم ما جبلت عليه النفس العربية من اعتزاز بكرامة الفرد ، وحرص على صالح المجموع ، وشورى في الحكم مع الحفاظ على وحدة الوطن واستقراره
ثانيا : المقومات الأساسية للمجتمع
المقصود بالمقومات الأساسية للمجتمع هي الركائز الأساسية التي يستند إليها أي مجتمع في وجوده وفي مسيرة حياته ، تلك الركائز بالطبع تلقائية فطرية تتولد عن إحساسات الناس وتطلعاتهم وطموحاتهم ، كما تستمد من الأعراف والتقاليد وقيم الدين والتراث والتاريخ الذي يجمعهم ويوحد صفوفهم ويشد من أواصر الإخاء والترابط فيما بينهم ، فالناس حين يجمعهم وطن ، ويستظلون بسلطة تحكمهم ، تتولد لديهم عندئذ تلك الركائز والمقومات الأساسية لمجتمعهم ، والتي تتمثل في إقامة العدالة والتمتع بالحرية والمساواة وتحقيق الأمن وتكافؤ الفرص بين المواطنين دون تفرقة أو تمييز ، ورعاية الأسرة والمحافظة على كيانها من التصدع والانحلال
كما لابد أن يكون لذلك المجتمع صورة من صور تنظيم الملكية ، ورأس المال وتحقيق العدالة الاجتماعية بما يستتبعه من تنظيم الحقوق الملائمة والعادلة بين العمال وأصحاب الأعمال وعلاقة ملاك العقارات بمستأجريها
وهذا ما نراه في الباب الثاني من الدستور المعنون بالمقومات الأساسية للمجتمع الكويتي ، ويشمل هذا الباب المواد من (7) حتى (26) وكلها تشير إلى ما سبق أن ذكرناه بالتأكيد على معاني الحرية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين في التعليم وفي الوظائف العامة وفي الرعاية الاجتماعية بمختلف أصنافها السكنية والطبية والتعليمية ، والعناية بالطفولة والنشء ورعاية الأسرة والمحافظة عليها والتزام الدولة بتوفير خدمات التأمين الاجتماعي والمعونة الاجتماعية ورعاية المسنين والمساعدات اللازمة للمواطنين في حالات الشيخوخة والمرض والعجز عن العمل ورعاية العلوم والآداب والفنون وصيانة الثروات الطبيعية للبلاد والمحافظة عليها وحسن استغلالها وتعويض المصابين من المواطنين في حالات الكوارث والمحن العامة
ويحسن بنا بعد هذه الإلمامة العامة بما تضمنه الباب الثاني من المواد (7) حتى (26) التي عالجت كلها المقومات الأساسية للمجتمع الكويتي ، أن نقف أمام بعض هذه المواد لنرى كيف صاغ أحكامها الدستور ، وربما استخلصنا منها بعض السمات المميزة الخاصة بطبيعة وأعراف وتقاليد المجتمع الكويتي
ونبدأ بأولى هذه المواد وهي المادة (7) من الباب الثاني ونصها كآلاتي
العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع ، والتعاون والتراحم صلة وثقى بين المواطني
فالمشرع هنا لم يكتف بتقرير إقامة العدالة والحرية والمساواة كدعامات للمجتمع بل أضاف ما يجب ألا ينسينا ما بيننا من صلة التعاون والتراحم التي تقتضي الرفق والسماحة والتواد بين المواطنين الذين انطبعت حياتهم على التواصل فيما بينهم وارتباطهم بروح الأسرة الواحدة التي ربطت الأواصر بين أفرادها وجعلت أي واحد منهم لصيقا بالآخر لا يشعر بأنه غريب أو بعيد منه ، وذلك بحكم النشأة الواحدة وتعارفهم مع بعضهم البعض بحيث يكاد يعرف الواحد منهم بطائن ودخائل الفرد الآخر ، وظلوا على ما هم عليه كما كان أجدادهم وآباؤهم مع بعضهم البعض وذلك على الرغم من تبدل الظروف والأحوال من حولهم وما استجد من أحداث على حياتهم فآصرة الإخاء والتراحم ما زالت قوية بينهم ، وهذا ما حاول المشرع الدستوري أن يؤكده بقوله : والتعاون والتراحم صلة وثقى بين المواطنين
بعد هذا لننظر في مضمون المادة (9) ونصها
الأسرة أساس المجتمع ، قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن ، يحفظ القانون كيانها ، ويقوي أواصرها ، ويحمي في ظلها الأمومة والطفولة
فالأسرة - بالطبع - هي أساس أي مجتمع ، ويصون القانون شرعيتها ويحفظ كيانها المستمد من أحكام الدين الحنيف والقائم على أسس الخلق القويم بالبر بالوالدين وطاعتهما والتشرب بحب الوطن والإخلاص والولاء له ، ويشير الدستور في مذكرته التفسيرية إلى أن إيراد عبارة ( في ظلها ) المقصود منه هو أن تنشأ الأسرة وتكون الطفولة في ظل روابط الأسرة الشرعية ، فالأصل في الطفولة هو شرعيتها دون أن يعني ذلك عدم رعاية الأطفال الطبيعيين ( أي غير الشرعيين ) فالدين يدعو إلى الرفق بهؤلاء الأطفال لأنهم ضحية جريمة غيرهم فهم لذلك أولى بالرعاية والإحسان إليهم
كما يحسن بنا أن ننظر إلى ما قرره الدستور في مادته السادسة عشرة بشأن تنظيمه للملكية ورأس المال ، فنص هذه المادة (16) كآلاتي
الملكية ورأس المال والعمل مقومات أساسية لكيان الدولة الاجتماعي وللثروة الوطنية وهي جميعا حقوق فردية ذات وظيفة اجتماعية ينظمها القانون
فالمشرع يعدد ثلاثة عوامل أو مقومات لكيان الدولة الاجتماعي وللثروة الوطنية أولها: الملكية أي حق الفرد في التملك لأي شيء قابل للتملك من مال أو عقار أو أي شيء آخر ، وثاني هذه المقومات هو : ( رأس المال ) أي الحق في تراكم الملكية وجمعها وادخارها وتنميتها واستثمارها في صورة رأس مال ، وثالث المقومات هو : العمل الذي جاء مقابلا للملكية المتراكمة ليحد من غلواء رأس المال في المجتمع أو تطرفه وتسلطه
إلى جانب هذه المقومات الأساسية لكيان الدولة الاجتماعي ولثروتها الوطنية فإن المشرع نص على أن هذه الحقوق فردية ولها وظيفة اجتماعية ينبغي أن نراعيها في صالح المجموع إلى جانب صالح المالك
وبهذا يكون المشرع الكويتي قد أحدث التوازن المطلوب في المجتمع من حيث الأخذ بنظام رأس المال المعتدل الذي عليه أن يرعى صالح المجموع ويحارب الاستغلال والتطرف اللذين قد نلحظهما في بعض الدول الرأسمالية
ولعل هذه السمة سمة " الاعتدال " أو سمة " الوسطية " وعدم الغلو أو المغالاة والتطرف إلى يمين أو يسار هي أبرز ما يشيع في نصوص الدستور ومعالجته لكل القضايا والأمور الهامة الأساسية في حياة المجتمع الكويتي
وإلى جانب هذا المثل الذي أوردناه بشأن الملكية واختيار الوسطية بين مختلف التيارات الاجتماعية والاقتصادية التي تقسم العالم المعاصر إلى رأسمالية مطلقة واشتراكية متطرفة ، إلى جانب هذا المثل يمكننا أن نورد مثالا آخر على ( وسطية ) الدستور الكويتي، ذلك ما أشارت إليه المذكرة الدستورية حيث اقتضى الحرص على وحدة الوطن واستقرار الحكم أن يتلمس الدستور في النظام الديمقراطي الذي تبناه ، طريقا وسطا بين النظامين البرلماني والرئاسي مع انعطاف أكبر نحو أولهما لما هو مقرر أصلا من أن النظام الرئاسي إنما يكون في الجمهوريات ، وأن مناط قيامه كون رئيس الدولة منتخبا من الشعب لبضع سنوات ومسؤولا أمامه بل وأمام ممثليه على نحو خاص
وحسبما أشرنا من أن سمة الاعتدال والوسطية مبثوثة وشائعة بين نصوص وأحكام الدستور دون أن تخطئها العين فان مفهوم ( العدالة الاجتماعية ) قد أكد عليه المشرع الدستوري في أكثر من مادة من مواده في الباب الثاني الخاص بالمقومات الأساسية للمجتمع الكويتي ، والمقصود بمفهوم العدالة الاجتماعية بالطبع هو إيجاد التوازن بين مختلف الأطراف الإنتاجية في المجتمع والانتصاف لأي جانب تجاه الطرف الآخر وحماية الجانب الضعيف مثلا في المجتمع بصورة عامة والحيلولة دون استغلاله والجور عليه وإهماله وعدم الالتفات إليه ، وهذا ما نلحظه مثلا في المواد (20) ، و (22) ، و (24) من الدستور الكويتي