- الأدب مواكباً للحياة
العمل الأدبي تعبير عن تجربة شعورية تـحَس في كل صورة موحية ومستوحاة ...
فكلمة "تعبير" لا تفي بالغرض لهذه الصورة ، رغم تصويرها لنا طبيعة العمل ونوعه ...
ورغم أنها تجربة شعورية تبين مادة الأدب وموضوعه وتحدد شرطه وغايته ...
لكنها بحد ذاتها ليست هي العمل الأدبي ، لأنها إحساس أو انفعال لا غير .
والتعبير في اللغة يشمل كل صورة لفظية ذات دلالة ...
وطريقة الانفعال بالموضوع هي التي تحدده ...
وكثير من كتابنا الذين يكتبون اليوم يكتبون عن وصف حقيقة طبيعية ...
وصفاً علمياً بحتاً ، لكنها ليست عملاً أدبياً رغم أن صِيغ تعبيراتهم فصيحة ...
مستكملة لشروط التعبير ، لأنها لا تعبر عن انفعال وجداني ...
أو تصوير لتجربة شعورية ترسم صوراً بيانية لفظية موحية مثيرة للانفعال الوجداني في النفوس للآخرين .
إذن ليست غاية العمل الأدبي أن يفضي بحقائق عقلية ولا قضايا فلسفية ...
كما أنه ليس من غايته أن يبرز لنا أغراضاً أخرى تجعله محصوراً في نطاقها ...
مصبوباً في قوالبها .
وليس معنى هذا أن العمل الأدبي لا غاية له ؛ بل إنه هو غاية في ذاته ...
وليس الأدب عدواً للحقائق أياً كان نوعها وموضوعها ...
سواء علمية أو خطب وعظية عن الفضيلة أو الرذيلة ...
ولا عن الكفاح السياسي أو الاجتماعي ...
وبمعنى أعم فالأدب ليس عدواً للحقائق - كما أشرت - ...
شريطة أن تصبح هذه الحقائق شعورية مجنحة بالخيال وفوران العاطفة ...
متجاوزة المنطقة العقلية الباردة إلى المنطقة الشعورية الحارة ...
وحقائق الحس والشعور الناشئة من ملاحظة العالم الخارجي ...
فلننظر لابن الرومي : ...
حين يضفي على الأرض في الربيع من الصفات ما تخلعه على المرأة فيقول :
تبرجت بعد حياء وخفَر *** تبرج الأنثى تصدت للذكر
ورغم أن به أنوثة وشيء من الخلاعة لكنه خيال شاعري يخالف الحقيقة العلمية ...
لأن الأرض مادة جامدة والأنثى حية متحركة .
إذاً فالأدب تفكير مستمر يتأثر بالفكر العام ويؤثر فيه ...
وهو تعبير يتجدد بصورة المجتمع وبصور الحاضر فطبيعته المرونة لا الجمود ...
يقولون: " لا أدب بدون حياة ، ولا حياة بدون أدب ، وفناء الأدب قائم على فناء الحياة نفسها . "
والكلمة قِوام الأدب ، بها تُقاد الأمم والشعوب ، وتساس الدنيا ...
والذي يحسن استعمالها هو الذي يخلق المثل العليا ، ويجعل الأدب كفؤاً للحياة ...
والأديب هو الذي يحس آلام البشر ويحبب إليهم الحياة ...
إذ يجلوها لهم عروساً بأبهى وشْي الأحلام ...
فخيال الأديب هو عنصر روحاني يكشف للأبصار ما غمض واستتر ...
من أسرار الكون التي يستمدها من تطورات الحياة .
فالأدب خلاصة عقول الأمم ، والأدب الحق هو الذي يصور الحياة ...
ماضيها وحاضرها، مستقبلها البعيد والقريب ...
ويضع مخطط الصرح الذي تراه مخيلة الأديب الموهوب ، وإن التي نسميها " كلمة " ...
هي التي إذا تحدثت مع أخواتها تقلب نظم الدنيا رأساً على عقب ...
وكما قال الجاحظ : ...
"وهل بيوت المال إلا درهم إلى درهم ؟ " إذاً فنقول :
وهل الروائع المثلى إلا كلمة إلى كلمة ؟ .
وإذا فتشنا عن العنصر الأدبي في جميع ما سعد به الإنسان ...
من تعاليم سامية ومبادئ عليا رأينا أنّ سحر بيان الأدب من دعائمها الكبرى ...
أوليس من البيان سحرا ؟
فقد قال الرسول : صلى الله عليه وسلم هذه العبارة الخالدة " إن من البيان لسحرا. "
وسقتها للدلالة على أن الكلمة مع الكلمة تؤثر على القلوب تأثير السحر من قبل الأديب البليغ .
فليس يكون أدباً إلا إذا وضع المعنى في الحياة التي ليس لها معنى ...
أو غيّر في النفس هذه الحياة تغييراً يجيء طباقاً وفاقاً لغرضها وأشواقها ...
كما يرحل الإنسان من جو غيره ، ينقله الأدب ...
من حياته التي لا تختلف إلى حياة أخرى فيها انتعاشها والتذاذها ومتعته ا.
وبهذا يهبك الأدب تلك القوة الغامضة التي تتسع بك حتى تشعر بالدنيا وأحداثها مارة من خلال نفسك ...
وتحس الأشياء كأنها انتقلت إلى ذاتك من ذواتها .
والأديب إنسان يدله الجمال على نفسه ليدل هو غيره عليه .
فأساس عمله دائماً أن يزيد على كل فكرة صورة لها ...
ويزيد على كل صورة فكرة فيها فهو يبدع المعاني للأشكال الجامدة ...
فيوجد الحياة فيها ، ويبدع الأشكال للمعاني المجردة فيوجدها هي في الحياة ...
فكأنه خُلق ليلتقي الحقيقة ويعطيها للناس ويزيد الشعور بجمالها الفني .
أما مشاركة الأسلوب الأدبي والعلمي ، فتوجب أن يميز الأديب بالأسلوب البياني ...
إذ هو كالطابع على العمل الفني وتخصيص لنوع من الذوق ، وطريقة من الإدراك ...
وفصل ما بين العالم والأديب أن العالم فكرة ...
ولكن الأديب فكرة وأسلوبها وعلم الأدب هو النفس الإنسانية بأسرارها ...
المتجهة إلى الطبيعة المبهجة فالأدب هو خلق الجمال - أو بعبارة متحفظة - ...
هو مبدعه في النفس والذهن ، والممكّن للأسباب المعينة على إدراكه ...
المبينة لصفاته ومعانيه ، المظهرة للنظام المجهول في متناقضات النفس البشرية ...
المرتفعة بهذه النفس عن الواقع المنحط المجتمِع من غشاوة الفطرة وصولة الغريزة ...
وغرار الطبع الحيواني ، والسمو بهذه النفس إلى فوق ، ثم إلى فوق ، ودائما إلى فوق .