[TABLE=width:80%;background-color:black;background-image:url();border:8 groove sandybrown;][CELL=filter:;]
- صندوق الأحلام
صقلتها الحياة، وقادتها الظروف لتصبح فنانة في عالم الفن التشكيلي. امتطت جواد هذا الفن لتهرب من عالمها الحزين إلى عالم آخر. آمال فتاةٌ تقضي جُل وقتها بين الرسومات وبين الألوان والفرش، أُعجب برسمها الكثيرون، فلرسوماتها لُغة صامتة ذات ألوان قاتمة دالة على اليأس والحزن المتأصلين في أعماقها. استغل والدها هذه الموهبة في ابنته وأصبح يبيع لوحاتها بمبالغ باهظة، وكانت آمال لا ترضى أن تباع لوحاتها بهذه المبالغ بل تفضل إهداءها على بيعها ولكنَّها لا تستطيع مواجهة والدها فهو عصبي حاد الطباع. جلست آمال في غرفتها بين الرسومات المتبعثرة هُنا وهناك، ثم وقفت أمام لوحة الرسم ممسكة بفرشاة الألوان التي هي أداتها للتعبير عما يجيش في نفسها. رسمت رجلاً بلا ملامح وظللته باللون الأسود، وطفلة هاربة إلى الأفق البعيد حاملة وردة حمراء تتساقط أوراقها هُنا وهناك. وبينما آمال على هذه الحالة التفتت صوب النافذة فجذبتها زرقة السماء الصافية فاتجهت نحو النافذة مطلقة العنان لتفكيرها حتى رحل بها إلى الماضي؛ إلى أيام الطفولة السعيدة التي نقلها والدها منها إلى عالمه الخاص، إلى عالمٍ آخر؛ عالم الأحزان والألم. فقد نزعها والدها من جذورها، من الجذور التي كانت تمدها بالحنان والغذاء، من أمها التي هي سبب وجودها في هذه الحياة بعد الله، ومن صديقي طفولتها "أنوار" و"أنور"، ابني خالها. فبعدت بينهما الشُّقة ولم ترهما منذ وقت طويل وهي في التاسعة من عمرها، والآن آمال تبلغ الثانية والعشرين من عمرها، أي أنه مضى ما يقارب الثلاث عشرة سنة لم تر آمال والدتها وأصدقاء طفولتها خلالها. لم تر الأرض التي ولدت ونشأت وترعرعت فيها، فقد حرمها والدها من رؤيتهم بسبب خلافات قديمة لا أصل لها، فحرمها الابتسامة والحنان، وخيم الحزن واليأس على قلبها، وتغيرت الابتسامة التي كانت لا تفارق شفتيها، وذلك الفرح الذي ظل يخالط شغاف قلبها. فعلى تلك التلال المغطاة بألوان الورود والزهور كانت تلعب وتلهو مع أصدقاء طفولتها، وعلى ذلك الحائط في منحدر التل، الذي لم يبق منه إلا جزءً بسيطاً لم يتهدم، كانت آمال وأصدقاؤها يرسمون رسومات الطفولة البريئة. من هنا كانت بداية آمال في عالم الفن التشكيلي، ومن هنا عشقت الفن فكانت ترسم الورود المتمثلة أمامها على ذلك التل، وترسم البالونات متطايرة من حولها. كانت تعبر عن فرحتها وسرورها بهذه الرسومات البسيطة هي وابنا خالها أنور وأنوار. كانوا جالسين تحت ظل شجرة يصيغون السمع إلى أصوات العصافير يتهامسون فيما بينهم عن أحلامهم المستقبلية، وبينما هم كذلك خطر على بال أنور فكرة وهي أن يكتب كل واحد منهم حلمه على ورقة ثم يضعون هذه الأوراق في صندوق من حديد ثم يحفرون له حفرة عميقة بجوار الحائط الصغير. مرت الأيام وذات يوم أتى والد آمال الذي لم تره منذ أن أبصرت النور في هذه الحياة فقد طلق أمها وهي حامل بها. رفضت آمال أن تذهب معه ورفضت بشدة لكن لا جدوى، فتركت أمها وهي حزينة لا يفارق الدمع عينيها، ومن ذلك اليوم لا تعلم آمال عن والدتها أي شيء لأن والدها لم يسمح لها بزيارة أمها ولم يعط أيضاً والدتها عنوان إقامتها، ظلت آمال واقفة تراقب زرقة السماء من النافذة وتقلب صفحات الماضي حتى بدأت تتحرك الشمس إلى المغيب، فتبدلت زرقة السماء إلى حمرة مظلمة وعاد بها تفكيرها إلى أرض الواقع بعد أن رحل بها إلى الماضي البعيد. وفي تلك اللحظة، لحظة الغروب، أدركت آمال أن الحياة ليست باقية على حال واحدة، فالحياة تتقلب من نهار إلى ليل ومن ليل إلى نهار. بدأ الأمل بعدها يشتعل في قلب آمال محرقاً صفحات اليأس في قلبها؛ فخطرت في بال آمال فكرة تستطيع عن طريقها العودة إلى أحضان أمها، فذهبت مسرعة إلى لوح الرسم ورسمت لوحة من الماضي، ورسمت الحائط الصغير، ورسمت أمام ذلك الحائط ثلاثة أطفال متقاربي الطول، وبصفتها رائدة في هذا المجال، مجال الفن التشكيلي، فقد أبدعت في رسمها حتى بدت هذه اللوحة كأنها صورة طبق الأصل من الحقيقة، وكتبت على الحائط أرقاماً موحية أن الأطفال يتعلمون كتابة هذه الأرقام، وهي في الحقيقة أرقام هاتفها حتى لو رأى أحد من أبناء خالها هذه اللوحة توصل إلى العثور عليها لأنهم هم الذين يعرفون سر هذه اللوحة التي تحكي ماضي طفولتهم فهي، لغة صامتة معبرة حتى لو لم تكن مكتوبة بكلمات. وبعد أن انتهت من رسمها نسخها والدها وبيعت جميع النسخ فقد أعجب عشاق هذا الفن بهذه اللوحة. مر وقت طويل على بيع هذه اللوحة ولم تظهر النتيجة بعد، بدأ اليأس يتسرب من جديد إلى قلب آمال لكنها صبرت وتجلدت. كان لأنور، ابن خال آمال، صديق يعيش في المدينة التي تعيش فيها آمال، اسمه إبراهيم. وفي يوم من الأيام وجه إبراهيم لأنور دعوة لزيارته لحضور حفل تخرجه فلبى أنور دعوته وحضر الحفل وفي تلك المناسبة قدم أحد أصدقاء إبراهيم له هدية عبارة عن لوحة تحكي عن الماضي، وكانت اللوحة لوحة آمال، وفي تلك الأثناء سأل إبراهيم أنور عن رأيه في تلك اللوحة، تفاجأ أنور لما رأى هذه اللوحة ووقف صامتاً فترة طويلة متأملاً اللوحة فقد استرجع بسببها الماضي البعيد، ماضي الطفولة السعيدة، وعلم قبل أن يقرأ اسم آمال في آخر اللوحة أن آمال هي التي رسمتها. تعجب إبراهيم لفعل أنور، ولما علم بسر هذه اللوحة لم يتردد إبراهيم بإعطائه اللوحة، تأملها وقتاً طويلاً واتضح له في النهاية أن الأرقام أرقام هاتفها، تأكد من هذه الأرقام واتضح له أنها حقاً أرقام هاتف آمال، ففكر أن يذهب إلى القرية ليخبر أهله بهذا الخبر السار ولكن رقم الهاتف لا يكفي فاقترح عليه صديقه إبراهيم أن يذهبا إلى محل بيع لوحات الفن ليسألا عن عنوان والد الفتاة، وبالفعل ذهبا وحصلا على عنوانها. ذهب أنور إلى أهله في القرية التي تبعد الكيلو مترات عن المدينة وهو لم يشعر ببعد المسافة لأنه في قمة السعادة، ولما وصل إلى أهله، الذين كانوا قلقين عليه لأنه تأخر في المدينة، أخبرهم بالخبر السار فكادت أم آمال من فرط لهفتها أن تطير، وبدأت دموع الفرح تنهمر فغسلت هذه الدموع بقايا الأحزان والجروح. تأهبت في الحال وأعادت الحنان والحب لتغمر به زهرة أشواقها وحنين فؤادها، امتطت حصان الأشواق لتلتقي بابنتها الحبيبة. أشرقت شمس النهار من جديد مرسلة جدائلها الذهبية، والتقت آمال بأمها وضمتها إلى صدرها لتروي قلبها العطشان بحنان الأمومة، ولتحس بدفء الحب والعطف الذي افتقدته سنين طويلة. رأى والد آمال حال ابنته فأعطى آمال حرية الاختيار إما البقاء عنده أو الذهاب مع والدتها لتعيش من جديد في أحضان أمها، فاستغل أنور وأهله هذه الفرصة السعيدة وتقدموا وخطبوا آمال لأنور. وافق والد آمال وتزوجت آمال بابن خالها. في طريق عودتهم إلى الأرض التي عاشت فيها أسعد أيام حياتها تذكروا "صندوق الأحلام"، صندوق أحلام الطفولة البريئة، فذهب أنور وأنوار وآمال إلى الحائط الذي دفنوا بجانبه الصندوق وفتحوا الصندوق وأخرجوا الورقة الأولى فإذا هي لأنوار فكانت تحلم بأن يكون لها محل كبير للحلوى والمثلجات، كان حلمها مرتبطاً بطفولتها. وفتحوا الورقة الثانية فإذا هي لآمال وكانت تحلم بأن تقضي حياتها بجانب أمها، وفُتحت الورقة الأخيرة التي هي لأنور وكان يحلم هو الآخر بأن يكبر ويتزوج ابنة عمته آمال. وبالفعل لقد كبر وحقق أمنيته، وعاش بسعادة كبيرة هو وزوجته آمال. وتبدلت أحزان آمال إلى أفراح، وأنجبت أولاداً أدخلوا البهجة إلى قلب جدتهم التي كانت سابقاً تتمنى رؤية آمال قبل أن تنتقل إلى رحمة الله، فرزقها الله عمراً مديداً، ورأت آمال وأبناء آمال، وشكروا الله على هذه النعمة. تعلمت آمال من مدرسة الحياة وعرفت الشيء الكثير؛ عرفت أن حياة الإنسان يومان: يوم له ويوم عليه، وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة.
[/CELL][/TABLE]