| |   | |  | | وتبقي الملامح النفسية الأخري( بأسهم بينهم شديد)...( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتي ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) علي خلاف المؤمنين الذين تتضامن أجيالهم, وتجمعهم آصرة الإيمان من وراء فواصل الزمان والمكان, والجنس والوطن والعشيرة.
والمظاهر قد تخدع فنري تضامن الذين كفروا فيما بينهم, ونري عصبيتهم بعضهم لبعض, كما نري تجمع المنافقين أحيانا في معسكر واحد. ولكن الخبر الصادق من السماء يأتينا بأنهم ليسوا كذلك في حقيقتهم; إنما هو مظهر خارجي خادع, وبين الحين والحين ينكشف هذا الستار الخداع, فيبدو من ورائه صدق الخبر في دنيا الواقع المنظور, وينكشف الحال عن نزاع في داخل المعسكر الواحد, قائم علي اختلاف المصالح, وتفرق الأهواء, وتصادم الاتجاهات. وما صدق المؤمنون مرة, وتجمعت قلوبهم علي الله حقا إلا وانكشف المعسكر الآخر أمامهم عن هذه الاختلافات, وهذا التضارب, وهذا الرياء الذي لا يمثل حقيقة الحال. وما صبر المؤمنون وثبتوا إلا وشهدوا مظهر التماسك بين أهل الباطل يتفسخ وينهار, وينكشف عن الخلاف الحاد, والشقاق والكيد, والدس في القلوب الشتيتة المتفرقة!
والقرآن الكريم يقر هذه الحقيقة في قلوب المؤمنين, ليهون بها من شأن أعدائهم, ويرفع منها هيبة هؤلاء الأعداء ورهبتهم... فهو إيحاء قائم علي حقيقة, وتعبئة روحية ترتكن إلي حق ثابت. ومتي أخذ المسلمون قرآنهم مأخذ الجد هان عليهم أمر عدوهم وعدو الله, وتجمعت قلوبهم في الصف الواحد, فلم تقف لهم قوة في الحياة. والمؤمنون بالله ينبغي أن يدركوا حقيقة حالهم وحال أعدائهم. فهذا نصف المعركة, والقرآن الكريم يطلعهم علي هذه الحقيقة في سياق وصفه لحادث وقع, وفي سياق التعقيب عليه, وشرح ما وراءه من حقائق ودلائل, شرحها يفيد منه الذين شهدوا ذلك الحادث بعينه, ويتدبره كل من جاء بعدهم, وأراد أن يعرف الحقيقة من العالم بالحقيقة!
* وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن( رحم الله كاتبه) ما نصه:( لا يقاتلونكم) أي اليهود... لا يقدرون علي قتالكم( جميعا) أي مجتمعين...( إلا في قري محصنة) بالخنادق والحصون ونحوها,( أو من وراء جدر) يتسترون بها دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم لفرط رهبتهم منكم...,( بأسهم بينهم شديد) أي إذا لم يلقوا عدوا نسبوا أنفسهم إلي الشدة والبأس, ولكن إذا لقوا العدو انهزموا,( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتي) أهواؤهم متفرقة فيما بينهم....
* وجاء في كل من المنتخب في تفسير القرآن الكريم وصفوة التفاسير كلام مشابه لا أري حاجة إلي تكراره.
من الإشارات المعجزة في الآية الكريمة
تكشف الآية الكريمة عن طبيعة النفسية اليهودية, فقد برع اليهود في التعصب الأعمي ضد كل من سواهم, بل ضد الإنسانية بصفة عامة, كما برعوا في تدبير المؤامرات, ونقض المعاهدات, وتزييف التاريخ, وتحريف الدين, والافتراء علي الله( تعالي) وعلي كتبه وأنبيائه ورسله, وفي تربية ناشئتهم علي الاستعلاء الكاذب فوق الخلق. وقد أفاض القرآن الكريم في تحديد ملامح الشخصية اليهودية, التي صاغت تلك الشخصية عبر التاريخ... ولذلك كان خوفهم من الأمم المحيطة بهم شعورا مسيطرا دوما عليهم فعاشوا عبر التاريخ وراء القري المحصنة, والجدر المرتفعة, والموانع والعوائق المتعددة, أو في حوار وأزقة معزولة, وأحياء مغلقة( عرفت باسم الجيتووات اليهودية, مفردها جيتو) كأقليات منبوذة, مطهدة, من جميع أبناء الأمم التي عاشوا بينها.
قري اليهود المحصنة في القديم
جاء في الإصحاح الثاني والعشرين/5 من سفر إشعياء في العهد القديم( طبعة دار الكتاب المقدسـ لبنان) إشارات عديدة إلي نقب الأسوار, وإلي هدم البيوت لتحصينها ووضع خنادق بين سورين لمياه البركة العتيقة, وهذا نفس ما يقوم به المحتلون لأرض فلسطين اليوم. وجاء في الإصحاح السابع والثلاثين من السفر نفسه إشارات إلي تخريب مدن محصنة حتي تصير روابي خربة.
وجاءت أحداث كل من يهود بني قينقاع, وبني النضير, وبني قريظة, وخيبر وأحداث غيرهم مؤكدة هذا الوصف القرآني المعجز للنفسية اليهودية في الوقت نفسه بالحرص الشديد علي الدنيا, والخوف المرتعد من الموت وذلك بسبب كثرة ذنوبهم, وآثامهم, ومؤامراتهم, وخياناتهم, ومبارزتهم لله بمختلف صنوف المعاصي, ولذلك لا يقاتلون أعداءهم أبدا إلا في قري محصنة أو من وراء جدر. وذلك لأنهم مثلوا ركازة الكفر عبر التاريخ, فقد كفروا بالله علي عهد موسي فعبدوا العجل, وكفروا بأنبيائهم فقاتلوهم وقتلوهم, وكفروا بنبي الله عيسي فأغروا الرومان به, وشوهوا صورته, ونالوا من عرض أمه الصديقة, شرفها الله, وحرفوا رسالته, وكفروا بخاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين) فحاولوا قتله وسمه ولكن الله( تعالي) حفظه بحفظه الذي لا يزول ولا يحول, وألبوا عليه أهل الكفر والشرك, ونقضوا كل عهودهم معه, وحاولوا الدس عليه وعلي رسالته لولا أن الله تعالي قد تعهد بحفظها فحفظت.
قري اليهود المحصنة وجدرهم العالية في العصر الحديث
(1) قبل نكسة يونيو1967 م:
* بتاريخ29 ـ31 أغسطس سنة1897 م عقد المؤتمر الصهيوني العالمي الأول في مدينة بازل في سويسرا, وقرر إنشاء المنظمة الصهيونية العالمية, والمطالبة بإنشاء وطن قومي لليهود علي أرض فلسطين العربية المسلمة.
* وبتاريخ1917/11/2 م أصدرت الحكومة البريطانية وعد بلفور اللعين.
* وبتاريخ1922/7/24 م أقر مجلس عصبة الأمم المتحدة مشروع صك الانتداب البريطاني علي أرض فلسطين من أجل تسهيل هجرة اليهود والمتهودين من جميع دول العالم إلي هذه الأرض المباركة, وتمكين القوات البريطانية المحتلة للأرض فلسطينهم من تلك البلاد.
* وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بسنتين أي في سنة1947 م أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها الجائر( رقم181) والقاضي بتقسيم فلسطين إلي دولة عربية وأخري يهودية.
* في1948/5/15 م أعلنت الحكومة البريطانية انتهاء انتدابها علي أرض فلسطين وانسحابها منها, إلا أنها لم تنسحب عمليا إلا من المناطق التي سلمتها إلي اليهود والمتهودين وفيها, جميع المعسكرات البريطانية بكامل معداتها وأسلحتها وقواعدها الاستراتيجية وكل أجهزة الدولة, بالإضافة إلي المستعمرات المحصنة تحصينا رهيبا بالأسوار والجدر والخنادق والأسلاك الشائكة وحقول الألغام, فأعلن الصهاينة قيام دولة لهم علي أرض فلسطين فور مغادرة المندوب السامي البريطاني ميناء حيفا, وتسابقت الدول الكبري علي الاعتراف بها وفي مقدمتها كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي الذي انهار, وسوف تلحق به الولايات المتحدة إن شاء الله تعالي.
(2) بعد نكسة يونيو1967 م
* في صباح الخميس الخامس من يونيو1967 م وبموافقة الولايات المتحدة الأمريكية قام سلاح الجو الصهيوني بهجوم مباغت علي جميع المطارات العسكرية والمدنية في كل من مصر وسوريا والأردن, ووسط هول المفاجأة تم احتلال كل فلسطين وشبه جزيرة سيناء بأكملها, والمرتفعات السورية, ومساحات من الأردن.
* وبتاريخ1967/6/27 م صدر قرار من الكنيست بضم القدس الشرقية واعتبارها عاصمة موحدة لإسرائيل.
وعلي الرغم من وقوف أغلب دول العالم من وراء هذه المظالم ووجود قناة السويس كمانع مائي يصعب عبوره إلا أن نفسية اللص السارق للأرض, وطبيعة الجبان الخائف من الموت دفعتهم إلي إقامة جدار خط بارليف علي طول الضفة الشرقية لقناة السويس كمانع حصين ليس له مثيل في العالم, في قلب ساتر ترابي ناتج من حفر القناة وتطهيرها يتراوح ارتفاعه من ستة إلي ثمانية عشر مترا بطول تلك الضفة الشرقية للقناة, وعلي الرغم من وجود خط المضايق الجبلية إلي الشرق, والبحر الأبيض المتوسط إلي الشمال, وكل من هضبة العجمة وخليج السويس إلي الجنوب, وقام الصهاينة بإقامة عدة نقاط حصينة في جوف هذا الساتر الترابي الضخم يبلغ عددها22 موقعا حصينا تضم31 نقطة قوية تبلغ مساحة كل منها أكثر من أربعة آلاف متر مربع علي هيئة منشأة هندسية معقدة تتكون من عدة طوابق خرسانية مسلحة بقضبان السكك الحديدية وألواح الصلب وغائرة في الأرض, لترتفع حتي تصل إلي قمة الساتر الترابي, وكل طابق مفصول عن الذي يليه بطبقة من القضبان الحديدية والخرسانة المسلحة, والأتربة والأحجار, وشكائر الرمال, وسبعة صفوف من البلاطات الخرسانية فوق بعضها البعض, ثم طبقة أخيرة من الردم السميك, وسور من الأسلاك الشائكة وصناديق معبأة بالحجارة.
ويصف ثلاثة من قادة حرب رمضان المجيدة, هم اللواءان حسن البدري وطه المجدوب والعميد أركان حرب ضياء الدين زهدي, في كتابهم المعنون حرب رمضان وصفا موجزا لأحد هذه الحصون, وهو المعروف باسم موقع الكيلو متر10 جنوب بورفؤاد جاء فيه:
يلف الحصن من الشمال والجنوب خمسة عشر نطاقا من الأسلاك الشائكة التي تفصل بينها حقول ألغام كثيفة, أما من الغرب فتوجد ثمانية نطق من تلك الأسلاك الشائكة المفصولة بحقول الألغام, والحصن مزود بأجهزة الإنذار, والشراك الخداعية, ويرتفع الساتر الترابي أمام الحصن إلي18 مترا, ويحيط به من جميع الاتجاهات, ويقع بداخل الحصن الكثير من الدشم والملاجئ والأسلحة الصغيرة, والرشاشات المتوسطة والثقيلة المبنية في جسم الساتر الترابي علي طول محيط الحصن.
................. يتبع ................. | |  | |  | |