ميثاق العمل الوطني
شخصية البحرين التاريخية
حضارة ونهضة
منذ فجر التاريخ ، والبحرين حاضرة في ذاكرته، سواء اتسعت دلالة التسمية جغرافياً أم ضاقت، فهذا الأرخبيل هو القلب من هذا الإقليم حيث التقت طرق الحضارة في جزر البحرين، وكانت دلمون التي مثلت نقطة التقاء العالم القديم الممتد من بلاد سومر في بلاد ما بين النهرين إلى ماجان في عُمان وصولا إلى حضارة بلاد السند شاهدا على ازدهار البحرين الاقتصادي كمركز للتجارة الحرة وميناءً حيوياً للعالم على امتداد أزمنة التاريخ.
وقبل انبثاق فجر الرسالة الإسلامية كانت البحرين تحتضن بحرية تعدد الأفكار والمعتقدات على أرضها في نموذج نادر المثال في تلك العصور.
وفي ظل هذا التسامح الروحي والفكري ازدهرت الثقافة وتعايشت الأديان وشهد الشعر العربي على لسان شعراء البحرين أروع القصائد في الفكر والوجود مبشرة بنهضة جديدة للعرب على مسرح التاريخ.
وكانت البحرين من أوائل من استجاب للدعوة الإسلامية السمحاء ودخلت في دين الله طوعا واقتناعاً، كما كانت أول المدافعين عن هذا الدين وحملت لواء هذه الدعوة عبر مياه البحر إلى الضفة الأخرى من الخليج وصولا إلى بلاد الهند، وأصبحت ثروات البحرين مصدرا مهما لموارد بيت المال الإسلامي، كما ساهم شعبها منذ البدايات الأولى للحضارة الإسلامية في الإشعاع الحضاري الإسلامي وعلوم الفقه واللغة طيلة عصور الخلافة الإسلامية ، حيث تعمقت في وجدان هذا الشعب قيم الحضارة الإسلامية بما تمثله من سماحة وعدالة وتقوى.
وجعلت الجغرافيا الطبيعية من البحرين مجالا خصبا للعمل البشري من زراعة وتجارة وغوص. ونظرا لما تتمتع به البحرين من مكانة جغرافية تتمثل في موقعها المتميز ومواردها، فقد تسابق عليها الفاتحون والطامعون، ولا عجب أن قاوم شعبها هذه القوى الطامعة. وفي ظل هذه المقاومة والصراع ضد مختلف القوى الأجنبية والإقليمية استطاعت القوى العربية تحت قيادة احمد الفاتح في الربع الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي أن تدحر كل تلك القوى الخارجية وتوحد البلاد تحت نظام الحكم الخليفي في كل من إقليم الزبارة والبحرين.
ولقد كانت دعوة شعب البحرين بكل فئاته الشيخ عيسى بن علي آل خليفة لتولي الحكم في البلاد ولتفادي السيطرة الأجنبية، أول بروز للإرادة الوطنية الشعبية عند أهل البحرين ، وهكذا جاءت البيعة الأولى في تاريخ البحرين الحديث لحاكم شاب جاء يحمل أملا لحكم وطني يصون سلمه وأمنه لخمسة وستين عاما أظهرت بشكل واضح مدى التلاحم بين الشعب وقيادته، وشكّـل استقراره السياسي والتجاري الحقبة الحضارية التي عبرت منها البحرين إلى العصر الحديث.
و جاءت استجابة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة لمطلب تأسيس مجلس للشورى متفقة مع تفتح الوعي السياسي للحركة الوطنية المشتركة بين الحاكم وشعبه رغم مجابهة هذه المطالب بمقاومة القوى الأجنبية.
وقد استطاع الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة الوريث الشرعي للحكم في البحرين مؤيدا من شعبه الذي كان دائم التلاحم مع القيادة ، أن يتعامل بواقعية مع الصراعات الدولية ويختط طريق التطور الواقعي ويتجاوز الأعراف التقليدية القديمة ويفتح الطريق لنشوء المجتمع المدني الحديث من خلال تكريس التعليم الحديث وخلق الإدارة الحكومية الفاعلة والأداء البلدي العصري وسن القوانين والتشريعات اللازمة وتنمية البلاد خاصة بعد انطلاق الصناعة النفطية بكل تحولاتها في البحرين.
وعندما تسلم مقاليد الحكم الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة عام 1942م كانت البلاد تعاني من الحرب العالمية الثانية وانعكاساتها على منطقة الخليج وما سببته من ضائقة اقتصادية، واضطراب دولي وإقليمي ، وقد استطاعت البحرين أن تتجاوز تلك المرحلة وتواصل بناء الدولة وتطوير مؤسساتها ومرافقها الحيوية وأن تعمل على تكريس الوحدة الوطنية والتلاحم بين القيادة وأفراد الشعب وإشراك المواطنين في إدارة شئون البلاد رغم ضغوط القوى الأجنبية.
ولقد كان عهد الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة عهدا زاخرا بالإنجازات الحضارية والسياسية حيث أسس دولة البحرين الحديثة وأقام مؤسساتها وأعلن استقلالها السياسي الحديث وتخلص من المطامع والدعاوى الأجنبية.
وكانت وقفة شعب البحرين في تأكيد عروبة واستقلال البلاد بقيادة سموّه وقفة تاريخية مشهودة وذلك من خلال الاستطلاع الذي قامت به لجنة تقصي الحقائق للأمم المتحدة، وشمل أبناء الشعب البحريني كافة ، حيث أجمع هذا الشعب على تمسكه بانتمائه العربي وبيعته للشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة ، وكان تجاوب الشيخ عيسـى بن سلمان آل خليفة كبيرا بأن أصدر دستور دولة البحرين كنموذج لأرقى المبـادئ الدستورية والديمقراطية، كما نالت البحرين استقلالها التام في عهده الميمون وتم تشييد الدولة على مبادئ الديمقراطية ودولة المؤسسات وسيـادة القانون . وسوف يبقى قرار الشيــــخ عيسى بن سلمان آل خليفة بدء الحياة الدستورية وإجراء انتخابات مباشرة حرة لتأسيس المجلس الوطني طبقا للدستور ، علامة بارزة في تاريخ البحرين.
وجاء التأييد والتضامن الذي شهدته البحرين عندما تولى حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة أمير البلاد المفدى دليلا على الالتفاف الشعبي حول سموه ، حيث تشهد البحرين في عهده انطلاقتها الديمقراطية لتحقيق آمال الشعب في دولة عصرية يسودها الأمن والاستقرار والرخاء وتستكمل فيها مؤسسات الدولة الدستورية التي تضطلع بدورها في تحقيق طموحات القيادة والشعب في مجتمع تسوده العدالة وسيادة القانون .
وفي ظل هذه الظروف التاريخية يتطلع الشعب بكل ثقة وعزم إلى مستقبل مشرق ، ملؤه الحرية والمساواة ، وركيزته العدالة والشورى ، وقاعدته المشاركة الشعبية لكل فئات الشعب في مسئوليات الحكم .
إن دولة البحرين وقد أنجزت استقلالها السياسي الذي تم بفضل نضال القيادة الحكيمة وكفاح أبناء الشعب الوفي ، حافظت على كيانها وأراضيها ومياهها الإقليمية التي هي غير قابلة للتفريط فيها، أو المساومة عليها بأي صورة وتحت أي ظرف ، كما ينص على ذلك بوضوح دستور دولة البحرين في مادتـــه الأولى حيـــث لا يجيز " التنـازل عن سيادتها أو التخلي عن شيء من إقليمها " .
إن دولة البحرين قد مارست دورها السياسي كعضو فعال في المجتمع الدولي والإسلامي والعربي وأكدت تمسكها بكل ثبات بكونها أحد أسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية وبالتزامها بالعمل المشترك مع الدول الأعضاء الشقيقة لتعميق التلاحم في منظومته بما يحقق تطلعات شعوبه .
وحيث إن دولة البحرين استطاعت منذ استقلالها إرساء الدولة الحديثة القائمة على التوجـه الديمقراطي ودولة المؤسسات الدستورية وسيادة القانون ،
وحيث إن دولة البحرين منذ عهد الاستقلال التام قد أكملت نهجها كدولة في علاقاتها الدولية وفي مؤسساتها السيادية القائمة على العدل والمساواة بين المواطنين ومراعاة مصالحهم،
وحيث إن حضرة صاحب السمو أمير البلاد حفظه الله يطمح إلى تحقيق نهج ديمقراطي يرسي هيكلاً متوازناً يؤكد الشراكة السياسية الدستورية بين الشعب والحكومة ، والفصل بين السلطات الثلاث وتعزيز آليات السلطة القضائية وإنشاء المحكمة الدستورية وديواني المراقبة المالية والإدارية،
وحيث إنه قد توافــرت الإرادة السامية للانتقال – ونحن في مطلع الألفية الثالثة – إلى دولة عصرية استكملت كل أطرها السياسية والدستورية للتفاعل مع كل المستجدات المحلية والإقليمية والدولية،
وحيث إن حصيلة تجربة دولة البحرين في العمل السياسي والاقتصادي طوال العقود الثلاثة الماضية تتطلب مراعاة ما استجد من تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية وتشريعية، ولمواجهة التحديات المقبلة، مع كل المستجدات على الصعيد العالمي ،
فقد استقر الرأي على أن يؤخذ بالثوابت الوطنية والسياسية والدستورية في هوية الدولة تأكيدا على النظام الملكي الوراثي الدستوري الديموقراطي ، حيث يخدم عاهل البلاد شعبه ويمثل رمزا لهويته المستقلة وتطلعاته نحو التقدم، وعلى إدخال تحديث في دستور البلاد بالاستفادة من التجارب الديموقراطية لمختلف الشعوب في توسيع دائرة المشاركة الشعبية في أعباء الحكم والإدارة ، ذلك أن ما أثبتته بعض هذه التجارب من الأخذ بنظام المجلسين في العمل التشريعي يتيح الجمع بين ميزة الاستفادة من حكمة ذوي العلم والخبرة من أعضاء مجلس الشورى وتفاعل الآراء الشعبية من كافة الاتجاهات التي يضمها المجلس المنتخب انتخاباً حرا مباشرا.
الفصل الأول
المقومات الأساسية للمجتمع
لا يمكن لأيّ مجتمع أن يستقر، على مدى قرون ضاربة في القدم، وينجح بجدارة في بناء حضارة متميزة كشأن المجتمع البحريني، دون أن يتمتع ذلك المجتمع بمجموعة من القيم الأساسية التي تضمن تماسكه، وتدفع به إلى الأمام، وتعمل على رقيه، وتدعم دولته المباركة انطلاقا من العقيدة الإسلامية السمحاء لشعب البحرين الأصيل وانتمائه العربي ، فقد توافق المجتمع البحريني على مجموعة من المقومات الأساسية، التي تنسجم مع القيم العربية والإسلامية.
وهذه القيم التي ينبغي التمسك بها والحفاظ عليها، بل والدفاع عنها، لأنها اختيار المجتمع ذاته بكل فئاته واتجاهاته، وهي غرس الآباء والأجداد من أجل وجود مجتمع فاضل وصيانته. ومن ثم، فإن هذه المقومات الأساسية لا يجوز لأي من السلطات العامة أو المواطنين الخروج عليها أو تجاوزها، وذلك حرصا على صالح المجتمع والدولة. ويمكن إجمالها فيما يلي:
أولاً: أهداف الحكم وأساسه
يهدف الحكم إلى صيانة البلاد، ورفعة شأن الدولة، والحفاظ على الوحدة الوطنية وتحقيق التنمية المستدامة الشاملة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها.
العدل أساس الحكم.والمساواة وسيادة القانون والحرية والأمن والطمأنينة والعلم والتضامن الإجتماعي وتكافؤ الفرص بين المواطنين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة.
وهذه القيم الرفيعة التي تتمسك بها دولة البحرين، أميرا وحكومة وشعبا، كل التمسك، من أجل المستقبل، كانت هي ذاتها مناط الحكم وأساسه على مدار كل السنين السابقــة، مدعومـة بقيم التراحم والتعاون والتواصل بين الحاكم وأفراد الشعب. ومن ثم فقد احتفظت قيمة العدل بجلالها وبهائها، وعاشت هذه القيمة الأصيلة في مجتمع البحرين بكل احترام ورعاية إلى جانب قيمة التراحم والمودة.