لمحات من حياة الشيخ صباح السالم
مع حلول صيف عام 1976، وصلت الامور الى طريق مسدود بين الحكومة والمعارضة. ولم يكن هناك من سبيل للخروج من هذا الوضع، يقول د.جيرمان، الا بحل المجلس وتعليق الدستور، وهو إجراء يتطلب موافقة الامير الشيخ صباح السالم الذي كان مقيما في لندن لقضاء إجازته الصيفية، وتطلب الأمر الكثير لإقناع الشيخ صباح السالم قبل ان يوافق على انه ليست هناك خطوة اخرى ممكنة. وقد انفجرت الازمة في 29 اغسطس 1976، حيث قدم الشيخ جابر الأحمد ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، استقالة حكومته رسميا صبيحة ذلك اليوم، الى الشيخ صباح السالم في رسالة شرح فيها بالتفصيل التدهور في العلاقات بين الحكومة والمجلس.
وهكذا صدرت اربعة مراسيم اميرية تضمنت حل المجلس وتعليق بعض نصوص الدستور وطلب تشكيل لجنة لتنقيح الدستور واضافة مادة جديدة الى قانون الصحافة.
لكن الشيخ صباح السالم أصر فيما بعد على ان يستمر اعضاء المجلس المنحل في تلقي رواتبهم بالكامل فترة دورتهم حتى فبراير .1979
استنزفت هذه الازمة الدستورية بمجملها قوى الشيخ صباح السالم، إلى جانب التحضير لقمة الرياض والمشاركة في قمة القاهرة. وبدأ التوعك في صحته يظهر بشكل عاجل منذ نوفمبر 1976 وسافر اكثر من مرة للعلاج الى المملكة المتحدة وامريكا. وقد امضى الشيخ صباح السالم يومه الاخير، وهو 30 ديسمبر 1977 مع عائلته واصدقائه في قصر المسيلة، وبعد غداء ممتع اتجه الى غرفة الجلوس حيث خاض نقاشات موسعة مع افراد العائلة. وفي المساء تناول عشاءه في وقته المعتاد، وذهب للنوم الساعة 11 ليلا. وبعد مضي ساعة استيقظ من نومه بعد ان شعر بصعوبة في التنفس.. ثم راح في غيبوبة لم يتعاف منها ابدا. فكانت وفاته ليلة 30 ـ 31 ديسمبر .1977
يعدد الكتاب ثلاثة مشاريع رئيسية، حظيت لدى الشيخ صباح السالم بالأولوية اثناء حكمه، وحازت قدرا كبيرا من اهتمامه، على الرغم من ان علاقات الكويت الخارجية استنفدت القدر الاعظم من وقته وطاقته.
اول هذه المشاريع جامعة الكويت، التي طرحت كفكرة في عام 1962، وكان حلم الشيخ، يقول الباحث، «ان ينشىء جامعة حديثة يجتمع فيها افضل ما في نظامي التعليم الانجليزي والمصري على حد سواء» كما اوعز لابنائه «علي» و«حصة» و«شيخة» بترك كلياتهم في انجلترا والالتحاق بالجامعة في بلدهم الام.
اما المشروع الثاني الذي حظي باهتمامه فكان يتمثل بإقامة «مدينة للكويتيين ذوي الدخل المحدود»، وقد اوعز لوزارة الاشغال العامة ان تقوم بإعداد الارضية لبناء 4000 وحدة سكنية على مدى ثلاث سنوات، وفي السابع من اغسطس 1965، صادقت ا لحكومة على مبادرته لبناء مدينة بهذا الحجم مجهزة ببنية تحتية كاملة تشمل المدارس والعيادات ومراكز الشرطة والمساجد والحدائق العامة.
وقد كرس الشيخ صباح السالم معظم اوقاته بعد الظهر بشكل يومي لمتابعة تطور هذا المشروع، وكان غالبا ما يلتقي الكويتيين الذين يأتون اليه التماسا للمساعدة، واولئك الذين يريدون اعطاءهم الاولوية لدى توزيع الوحدات السكنية.
اما المشروع الكبير الثالث الذي شغل معظم اهتمامه، وكان الاقرب الى قلبه، فهو انشاء «مبرة الشيخ صباح السالم» فقد اصدر الامير في الرابع عشر من يناير 1976 مرسوما يحدد الاسس اللازمة لانشاء المبرة ويرسم اهدافها، وقد تم الافصاح عن دوافع الامير في مقدمة المرسوم التي اكدت على اقراره «بما انعم الله علينا»، واشارت الى ان انشاء المبرة يأتي: «انسجاما مع قناعتنا بأن للمحتاجين حقا في ثروتنا، وكبادرة للتعبير عن تشجيعنا للطلاب المتفوقين لمواصلة دراساتهم العليا وابحاثهم، ولدعم فنانينا وادبائنا واتاحة الفرصة امامهم للابداع».
وقد ساهم الامير بمبلغ 2.1 مليون دينار كويتي ليكون بمثابة الرأسمال الاولي للمبرة.
وفي استعراض د.جيرمان للسنوات الاخيرة من حياة الشيخ صباح السالم يتساءل: اين هي مكانة الشيخ صباح بين اسلافه من حكام الكويت؟ ويقول:
«لقد كان في الجزيرة العربية اربعة انواع من الحكام الناجحين، فهناك الحاكم الذي يبني قوته من خلال نجاحه في التجارة ـ كما هو متمثل في حكام مسقط ودبي، وهناك النوع الثاني من الحكام وهم الحكام الدينيون او من يتبنون حركة دينية ـ ويتمثل هؤلاء في السعوديين وتحالفهم مع حركة الاصلاح الاسلامي للشيخ محمد عبدالوهاب في القرن الثامن عشر او في ائمة اليمن. وهناك النوع الثالث من الحكام العرب، ويمثلهم الحاكم القبلي المحارب الذي يحقق النجاح من خلال مهارته العسكرية، وربما كان «آل رشيد» في حائل هم افضل مثال على ذلك، واخيرا، هناك الحاكم الذي لا ينتمي لاي شيء مما سبق الا انه يكتسب موقعه من خلال ثقة الناس به وتسويته للنزاعات وضمانه للاستقرار في بلده ـ شخصية ابوية قادرة على التوفيق ما بين المصالح المتضاربة. وهو حاكم عرف في الاجواء الحديثة المعاصرة كيف يختار ويرأس مرؤوسين لامعين تعطى لهم الحرية ضمن حدود معينة لتنفيذ سياساتهم الخاصة».
ويقول ان الشيخ صباح بن جابر الذي حكم الكويت «1859 ـ 1866»، وهو والد الشيخ مبارك الكبير، مثالا لذلك الحاكم. ومن المؤكد، يضيف د.جيرمان «ان اسلوب الحكم المتواضع والابوي الذي انتهجه الشيخ صباح الجابر انتقل بشكل طبيعي الى الشيخ صباح السالم. لكنه ورث عن مبارك الكبير ايضا حسه الحصيف في اختيار الافضل لبلد صغير مثل الكويت، محاط بجيران اقوياء ويتوجب عليه التعامل مع قوى عظمى متنافسة. ولابد ان التاريخ سيحكم على عهد الشيخ صباح السالم بأنه كان ناجحا مثل سلفيه الاثنين الذائعي الصيت».
ان التاريخ بالطبع كما ذكرنا، لم يقل كلمته الاخيرة في عهد الامير الراحل صباح السالم. ولا شك ان المزيد من الوثائق والمذكرات قد تنشر في وقت لاحق. ولكن الذي لا جدال فيه، هو ان هذه المرحلة التي تصارعت فيها التوجهات الداخلية والخارجية، وواجهت خلالها الكويت العديد من التحولات البالغة الاهمية، ستبقى مرحلة خصبة للمؤرخين.