بدأ الشك يزداد عند الأخوة ، نظروا حولهم فإذا هم في منطقة سهلة ليست فيها أي تضاريس أو وادي أو مرتفع وفجأة سمعوا صوت مدرعات تتجه صوبهم أمعن النظر فإذا هي فعلاً مدرعات ولكنها لا تسير باتجاههم مباشرة بل قسم منها ينحرف بعيداً إلى اليمين والأخر بعيداً إلى اليسار.
تشاور المسئولون بسرعة وقرروا تشكيل خط دفاعي دائري يكون العرب في المقدمة والأوزبك على الجناحين والباكستانيين يحمون المؤخرة، وفعلاً وبسرعة تنم عن خبرة قتالية توزعت الأعداد وأخذ المجاهدون أماكنهم وكانت الأسلحة لحد الآن لم تسحب من عندهم ، عندها كانت قوات العدو قد استكملت حصار المنطقة كاملاً ، تخندق الأخوة وسحبوا أقسام الأسلحة إستعداداً لأي طارئ.
بدأت إحدى السيارات التي كانت قد غادرت للترتيب أمر عبور المدينة تتجه بسرعة إلى مركز تواجد الأخوة، تركها الأخوة تقترب، نزل مسئولها, هرول إلى مسئول المجموعات وكان الخوف يملأه ، توقف قريباً منهم وهو يصيح أن الأمور بخير ولا يوجد ما يدعوا للقلق وهو تعبير أفغاني مشهور بقينا نسمعه دائماً حتى في أيام الجهاد السابقة وهذه الأيام أيضاً ، المهم أن الأفغاني بدأ مهتماً بتهدئة الإخوة قائلاً أن الأمور بخير ولكن هناك مشكلة بسيطة وهي أن الجنرال دوستم قد عرف الأمر وهو يصر على أن يذهب الجميع مراكزه ليحافظ عليهم ، فقط عليهم الآن تسليم أسلحتهم .
طبعاً انتفض الإخوة ، فكيف يكون ذلك ولجد هذه اللحظة لم يستطيع المنافقون الاقتراب منهم ولقد صدوا العديد من هجماتهم المدعومة بالقصف الأمريكي الصليبي العنيف ، وعندما رأي الدليل الأفغاني إصرار الإخوة على عدم تسليم الأسلحة أقترح عليهم أن يتصلوا بالملا فضل في قندز ليأخذوا منه التعليمات وكان الإخوة قد نصبوا المخابرة هناك في الميدان واتصلوا بكابل الاتصال الأخير حيث كنت وقتها هناك وكنت قد وصلتها قبل عدة أيام قادماً من عندهم في تخار لاستكمال بعض الأمور الضرورية الطارئة بعد ابتداء القصف الأمريكي وكانت الأمور عادية جداً في وقتها ووعدتهم بالحركة في اليوم التالي، وفعلاً تحركت ولكن في الطريق علمت بأن الطريق قد انقطع على أثر سقوط باميان بأيدي المنافقين من حزب وحدت الشيعي عدت أدراجي إلى كابل لأشهد بعد يومين تخلي الطلبة عنها ليستلمها المنافقون .
المهم بعد انتهاء اتصالهم بنا تكلموا مع ملا فضل حيث طلب منهم الرضوخ لمطالبهم وتسليم الأسلحة للحفاظ على بقية الطلبة الموجودين في قندز قائلاً أننا لحد الآن لم نسلم أسلحتنا ولكن إذا عملتم مشاكل فربما يبدأون بقصفنا والتعرض علينا خصوصاً أن قواتهم بدأت تدخل المدينة وقال لهم عليكم بالسمع والطاعة وأن عملي هذا الغرض منه لإنقاذ حياة أكبر عدد ممكن من الطلبة بأمر أمير المؤمنين ؟!! تردد الإخوة بتسليم الأسلحة فنادى ملا فضل الملا ذاكر عبد القيوم ليكلمهم على المخابرة وكان ملا ذاكر هو أمير قطاع عملياتنا في خوجة غار ودشت أرجي بعدها رضخ الإخوة للطلب وتشاوروا على تسليم الأسلحة الكبيرة الظاهرة وإخفاء القنابل اليدوية والمسدسات والسكاكين للطوارئ ، وبدأ وضع السلاح على الأرض والأغلبية غير مقتنعة تماماً ومندهشة بما يحصل.
بعد استكمال تسليم الأسلحة طلب الدليل من قسم من قوات العدو بالاقتراب واستلام الأسلحة وطالب الإخوة بتسليم كل ما لديهم من سلاح فأجابوه بأنه لم يبق شيء آخر وإزاء هذا العناد طلب إليهم التوجه إلى السيارات للتحرك إلى مزار شريف ، انطلقت أمام القافلة سيارة الجرحى مع دليل واحد وكان هناك أربعة من الجرحى منهم أبو ناصر الأبيني وأسامة الحضرمي وكانوا قد جرحوا في القصف سابقاً أسرعت السيارة وسبقت القافلة، عند وصولها إلى داخل المدينة أوقفها حاجز لحزب وحدت الشيعي وحينما عرفوا أن فيها عرباً أنزلوا الأفغاني الدليل وعلى رغم توسله لهم قائلاً أنه منهم ومن أفراد قومندان ناصر وهؤلاء مستسلمون وسآخذهم إلى السجن ولكن بدون فائدة بدأوا بضربه وبسبه بشتى الألفاظ القاذعة وانهالوا بالضرب على الجرحى غير آبهين بحالتهم واقتادوا الجميع للسجن عندهم وبدأوا بالتحقيق معهم .
وندع أخ طالب أفغاني كان مجروحاً وركب معهم السيارة يحكي القصة ، حيث يقول : بدأوا بالضرب الشديد للجميع ثم أوقفوا السيارة في الخارج واستدعوني للتحقيق فقلت لهم أنني لست معهم بل أنا جريح وأتيت معهم فقط بالسيارة فقالوا لي لا نعرف ذلك ، وإذا أردت الخروج فكم ستعطينا حينها تذكرت بأن الإخوة أخفوا مسدساً وبعض الأموال التي جمعوها من بينهم خوفاً من السرقة وأخفوها في محرك السيارة ففكرت أنهم سيأخذون السيارة كلها فلأفدي نفسي بالمسدس ، ففاوضتهم على إعطائهم المسدس مقابل خروجي فوافقوا فأرشدتهم إلى مكانه فذهبوا وأخرجوه ولكن عندما عادوا قالوا هذا لا يكفي نريد ورق أخضر ( يقصدون الدولار ) فأرشدتهم إلى مكان الأموال وعندما رأوها قالوا لي اخرج واترك لنا هؤلاء العرب نبيعهم بالدولار، فخرجت من عندهم وأنا أسمع صيحات وتأوهات الإخوة الجرحى حيث بدأ المنافقون بضربهم ثم نقلوهم إلى المستشفى ثم سلموهم للأمريكان.
ثم نعود للقافلة الكبيرة، حيث أخذوهم إلى قلعة جنكِ وهي قلعة كبيرة على أطراف مزار شريف، ترتفع عن الأرض كثيراً يحيطها سور عريض يمكن للدبابة أن تسير عليه ، وخلفها قناة ماء ، والقلعة كبيرة جداً من الداخل ، وهي مكونة من عدة طبقات وفي الأسفل سراديب وغرف ، وهي قلعة عسكرية مجهزة للقتال والصمود أمام الحصار ، وفيها مخازن أسلحة وذخائر كثيرة .
وعند وصولهم للقلعة دخلت السيارات إلى داخل القلعة ، و قد سبقهم إليها أكابر قومندنات حزب وحدت الشيعي وأكابر قومندنات دوستم ورئيس استخباراته وكذلك قوات كبيرة تقدر بعدة مئات ، كذلك مندوبين عن القوات الأجنبية الأمريكية والcia ، وعند وصولهم تم تقسيمهم على الغرف ، ثم بعد ذلك بدأت قوات العدو بفتح الغرف غرفة غرفة وإخراج الإخوة لتفتيشهم وتسجيل أسمائهم ومعلوماتهم وتصويرهم ، كان يشرف على التسجيل ضباط أمريكان وكبار ضباط دوستم والهزارة ، وكان أفراد العدو والمحققون يتعمدون إساءة المعاملة والتلفظ بالكلمات القذرة على الإخوة والجهاد والدين ويستهزئون بالجميع ، وحين رأى الإخوة ذلك وقبل استكمال تسجيل الغرفة الأول ى، تبادل عدد من الشباب الإشارات ، وتقدم الأول للتفتيش واضعاً يده في جيبه ، وانتبه لذلك المحقق فصاح عليه أن أخرج يدك يا ابن .. فأخرج الأخ قبضة يده من جيبه ومعه قنبلة يدوية وفجأة دوى انفجار كبير أعقبه انفجار قنبلة أخرى .
قتل الأخ مباشرة ، وقتل على أثر الانفجار المحقق الأمريكي ورئيس استخبارات مزار شريف وأكبر قومندانات حزب وحدت وعدد من كبار قادة دوستم ، وساد الهلع قوات العدو وبدأوا يتناثرون كذر الغبار اشتدت به الريح ، سارع عدد من الإخوة إلى أسلحة المقتولين ليأخذوها وسارع آخرون إلى بوابات القلعة ليغلقوها لمنع العدو وبقية الأمريكان من الفرار ، وذهب البقية لفتح أبواب الغرف لإخراج إخوانهم وسادت فترة قصيرة من الصمت ولكنها كانت رهيبة، وانفتح بعدها باب جهنم على الأمريكان والأعداء الذين فوجئوا بما حدث فهم لم يروا ذلك من قبل ، أناس في الأسر لا يصبرون على إهانات تعد عندهم في أعرافهم أمور عادية من الممكن تبادلها بينهم فرحاً ، ولكن أنى يكون ذلك لحر عزيز ذاق طعم الجهاد وما أنزل السلاح من على كتفه إلا قبل لحظات سمعاً وطاعة لأميره ولكن على غير اقتناع وثقة في الطرف المقابل الذي وضع يده بأيدي الكفرة والصليبيين لهدم صرح دولة الشريعة.
ودارت معركة رهيبة كان العدو فيها كالجرذان المرعوبة لا تدري أين الفرار وبدأ قسم منهم يقفز من الجدران العالية لتندق عنقه و لا أحد منهم يجرؤ على المواجهة ، فهم لم يأتوا للموت بل لجمع الأموال والتمتع بشهوة التسلط وما سينعم به الأمريكان عليهم ، وما هو إلى وقت قصير صفى فيها الإخوة أغلب الذين كانوا في القلعة من العدو والأمريكان وبدأ الجد مرة أخرى فالساعة ساعة حزم وأمر ، تقسمت المجموعات وتوزعت المهام بدقة والأخوة أصحاب خبرة قتالية سابقة ، توجهت مجموعة لكسر المخازن واستخراج الأسلحة وأخرى لجلب الذخيرة وتوزيعها وأخرى لاستخراج ونصب الرشاشات الثقيلة والهاونات وهكذا ، وبعد فترة عادت المجموعة المكلفة بإحصاء وجرد إصابات العدو وإصابات الإخوة ، والنتيجة المذهلة [ 15 قتيل أمريكي –200 قتيل من المنافقين ] لم يبق منهم أحد حي، لا خسائر ولا إصابات بين المجاهدين عدا الأخ الذي ألقى القنبلتين اليدويتين في البداية.
ثم تشاور الأخوة وقرروا الصمود داخل القلعة لأن العدو بدأ يتجمع في الخارج والمدرعات والدبابات بدأت تحاصر القلعة وصوت الطيران يستكشف المنطقة.
بدأ الشباب المجاهد توزيع المهام الدفاعية على الجميع ، متوقعين أن العدو سيبدأ عملية اقتحام القلعة بعدما رأوا كثافة نيران الرشاشات والمدفعية الموجهة عليهم من داخل القلعة ، وتعالت نداءات الكافرين يطالبون الأخوة بالاستسلام ، ولكن كيف يكون استسلام من أسود لفئران مرعوبة ، و إلى صباح اليوم التالي لم يحاول أي فأر الاقتراب من عرين الأسود ولكن مع إشراقة الصباح بدأ قصف جوي شديد ، وكذلك قصف مدفعي من الأرض ، واستمر الأمر إلى المغرب ، ما استطاع الأخوة عمل شيء أكثر من إخلاء الجرحى للطابق السفلي وكذلك تقليل الأعداد الموجودة في محيط القلعة للدفاع ضد أي هجوم بري ، واستمر ذلك طوال الليل ، ولم يكن هناك من الطعام إلا القليل مع الماء ، هدأ القصف ليلاً ليعود مرة أخرى في الصباح بشدة أكبر مع محاولات لاقتراب الدبابات ، إلا أن الأخوة ردوها على أعقابها ومع اشتداد القصف بدأ الدخان يتصاعد والذخائر تنفجر والدمار يتجاوز الطابق العلوي إلى الطوابق السفلية وهكذا مع نهاية اليوم الثالث من القصف العنيف المستمر كان أغلب الأخوة قد دفن تحت الأنقاض فرحاً بالشهادة ، أو جرح جروحاً بليغة ولم ينج من الجرحى إلا من لجأ إلى الخنادق العميقة تحت الأرض ، دخل عدد من أفراد العدو القلعة خفية ليتأكدوا من مقتل الجميع وأعطوا إشارة للبقية بانتهاء المقاومة ومقتل الجميع ، وعند اكتشافهم وجود عدد من الجرحى في الأنفاق ، دخل اثنان من العدو لإخراجهم فأخرج الأخ مسدسه وقتل الاثنين ، ورفض الجميع نداءات العدو للخروج من الأنفاق ففتح عليهم الماء لإجبارهم على الخروج فلم يفلحوا ، فبدءوا بإغراق هذه الأنفاق والملاجئ بالوقود وأشعلوا النار ، عندها اضطر من بقي على قيد الحياة ونجى من الحرق والاختناق إلى الخروج ، وكان عدد من تبقى من الأخوة 80 أخاً أغلبهم من الباكستان ومن بين الجرحى الأخ الأمريكي الذي أحرج بوش الغير مصدق لوجود أمريكي في صفوف الطلبة.
وبهذا انتهت هذه الملحمة التي سطرها الشباب المجاهد الرافض لهذا الهوان الذي تعيشه الأمة، فضَّل لقاء ربه الكريم على حياة ملؤها الذل والخنوع وما خاب وما خسر في اختياره بل هو خروج من هذا السجن الكبير إلى جنات الرضوان مع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام في أعلى عليين.
وبعد ..
فهذه أحداث عايشناها ورأيناها، حفرت أخاديد عميقة في عقولنا وقلوبنا، أبطالها إخوة لنا أفضل منا سبقونا إلى ما كنا قد وضعنا أعيننا وتعاهدنا عليه، رضا الرحمن وجنات الرضوان فنحن على طريقهم لن نكل ولن نمل وقسماً نبره فقد بعنا وقد اشترى الرحمن صفقة لن نندم عليها أبداً، نرويها لمن كان له قلب وما زال به ذرة من إيمان أو رجولة أو نخوة لعل الله ينفعه بها.
نسأل الله القبول .. ولأمتنا الاستيقاظ والنهوض ولشبابنا العودة إلى الطريق التي ارتضاها الله لنا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.