و بدأ عصر الحيوان
عصرنا هذا من أكثر العصور تعقيداً ، لأن معالم الإنسان فيه اختلفت بشكل ملحوظ ، و هُجِنَتْ العادات الإنسانية مع نظيراتها في الكائنات الأخرى ، فأصبح الرجل العصري يشترك مع الحيوان في كثير من الخصائص ، كما أن الحيوانات هي الأخرى شاركت الإنسان في تصرفاته و تفكيره و تأملاته أيضاً، فالقرد العصري صار يدخن السيجار مثلما كان ( كاسترو ) يفعل ، و الدولفين يلعب الكرة كما لعبها ( بيليه )، و الغوريلا أصبحت تشرب (الكابتشينو) و أصبح للقط جواز سفر ، و للكلب عيادة صحية ، و قد لا نستغرب حينما نقرأ عن ( فأر ) يقود السيارة ، مثلما يقودها ( ستيوارت الفأر ) ، كل هذه التحولات ، تعطي مدلولات على أن الكائنات التي تعيش في بيئة واحدة ، تتأقلم مع مرور الوقت مع بعضها حتى ( آيديولوجياً ) ، لدرجةٍ أكاد أجزم أن القط البلدي يختلف عن نظيره الأوربي في التفكير و ردّة الفعل و الاستعداد للوجبات ، حاله كحال الإنسان ( البلدي ) ، ولكن دعونا نتأمل حال المخلوق ( المفضل ) ، الذي كرّمه الله و وهبه العقل .
لقد أصبح الإنسان العصري ، أكثر فوضوية و تحرراً من الانضباطية ، فلم تعد القيم الروحية تعنيه كثيراً ، و توجهت جلّ اهتماماته إلى تلبية حاجاته ( الفسيولوجية ) من طعامٍ و شراب و لذة و رغبات سُلْطوية و مال و نعيم ، كل هذا أدى بدوره مع السنين لخلق ثقافةٍ نهمةٍ لا تشبع أبداً ، و غُرِست هذه الثقافة بتقادم السنين في عقول الأبناء فنشأوا لا يلوون على شيءٍ سوى التشبع بكل ما هو محسوس و التخلي عن تلك الأفكار الروحية والقيم الدينية و الإنسانية ، أو إرجاءها لأوقات أخرى ، هم أنفسهم لا يدرون متى .
لقد أصبحنا ( نكذب) بسهولة دون أن يتقطب جبين أحدنا حرجاً ، و( نخدع ) بسهولة أيضاً في كل شيء مثل (الثـعالب) و ( ننتقم ) حينما تسنح لنا الفرصة مثل ( الضباع ) ، و نغدر مثل ( الذئاب ) و ننهش لحـوم بعضنا مثـل ( الأُسُـود ) ، و اعتدنا على كل ذلك ، فلأجل المال و الرغبات و الشهوات نفعل أي شيء ، وقد يوجد بيننا ( أناسٌ روحانيون ) يدعوننا دائماً على المنابر و في الخطب و المساجد للرجوع إلى الله و الابتعاد عن تلك التصرفات ( الحيوانية ) ، غير أننا لم نرحمهم أيضاً ( فكلنا ) لهم الصاع صاعين شتماً و قذفاً و سبابا ، بل وصفناهم كما يوصف (الدراويش) و أطلقنا عليهم النكات و التعليقات ، وكأننا ( النخبة المنتقاة ) ، في تجلًّ لمظاهر المادية و قلة الذوق .
زيفنا كل شيء من حولنا و لطخناه بسوداوية قلوبنا ثم مشينا نختال زهواً و نتشدق بالمثالية المطلقة و الحرية و الليبرالية ، و انتقل الداء إلى عقولنا فصارت تكذب علينا ، فـظننا أن حب المجد يدفعنا للعمل و الإنجاز ، في حين أنه ( الغرور و حب الذات ) ، و نظن أن العدالة تدفعنا إلى القسوة ، في حين أنه ( الحسد و الحقد ) ، كما أن الحب بطهارته لم يسلم ، لأننا لوثناه برغباتنا ، فالوردة التي نقطفها من الحديقة أو نحملها ( لمن ندعي حبه ) صارت أداة من أدوات وصولنا إلى ما وراء ( الوردة ) من رغبة أو شهوة أو منصب أو مصلحة .
يحق لنا إذاً أن نطلق على هذا العصر ( عصر الحيوان )، فقد شابه الإنسانُ الحيوانَ ولم تعد قـيَمَهُ العليا تغريه للعودة لإنسانيته من جديد ، و لو نظرنا للواقع سنجد أن الإنسانية ما هي إلا ( تصرفات عاطفية مقرونة بالعقل الذي يوجهها توجيهاً صحيحاً ) ، لذلك من السهل التخلي عن الإنسانية ببساطة بمجرد التخلي عن ( العقل ) ، ليصبح عصرنا حينما يصفه أحفادنا أو أحفادهم ، بأنه العصر الذي تميز فيه الإنسان بقلة الأدب مع أخيه الإنسان ، و بالأنانية المطلقة و بالظلم و الجور والقتل و الاحتلال و تجربة الأسلحة القذرة على أخيه الإنسان ، و كل هذا بالطبع تحت مسمّيات برّاقة مثل ( الحرية ) و ( الديموقراطية ) و( العدالة ) ، لذلك من الآن سأقول وداعاً لكل حرية و عدالة و ديموقراطية يصنعها الإنسان العصري ، ولو لوقتٍ آخر .