يقول تعالى في سورة الفتح : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما " (سورة الفتح : 29) . فمن ينظر إلى أول الآية يرى أن الممدوحين مع رسول الله هم عموم الصحابة ، لكن انظر إلى قوله تعالى : ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم...)، فلم يعد الله جميع الصحابة بالمغفرة والأجر ، بل فقط من آمن وعمل صالحا ، ولو كان الوعد للجميع لقال : ( وعدهم الله...) فتأمل . ويقول تعالى في نفس هذه السورة : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) (سورة الفتح : 10) . وأنت ترى في هذه الآية أن الله تعالى يحذر الناكثين بأنهم إنما ينكثون على أنفسهم وليسوا بضاري الله تعالى شيئا . ولدى قراءة سورة الحجرات تصادف هذه الآية : ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم ) (سورة الحجرات : 4 - 5) . فانظر لوصف الله تعالى هذه الفئة من المسلمين حيث وصفهم بأبشع وصف وهو أنهم لا يعقلون ، وقد وصفهم الله في صدر السورة بأنهم يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي مع أنهم مؤمنين به ( صلى الله عليه وآله وسلم ). ويقول في سورة الحجرات أيضا : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) (سورة الحجرات : 6) . ومن المعلوم والمشهور أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة ، وهو أخو عثمان بن عفان لامه ، عندما بعثه إلى بني المصطلق فرجع وكذب على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (أنظر تفسير الفخر الرازي ( التفسير الكبير ) في سورة الحجرات : 6 ، تفسير الطبري 26 : 78 ، تفسير الدر المنثور 7 : 555) ، فالله يصف الوليد بالفاسق ، وأئمة السنة يقولون إنه عدل ؟ ! ويقول تعالى في سورة التوبة : ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين) (سورة التوبة : 25) . في هذه الآية يذكر الله ويشنع على المسلمين فرارهم يوم حنين حيث تركوا النبي مع ثلة قليلة عدد أصابع اليد وفروا ، وقد اغتر المسلمون في حنين بكثرتهم حتى قال أبو بكر : " لن نغلب اليوم من قلة " (أنظر تفسير الفخر الرازي ( التفسير الكبير ) في سورة التوبة : 25) . وقال الله أيضا مخاطبا الصحابة : ( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير ) (سورة التوبة : 38 - 39 . يقول الفخر الرازي في تفسير سورة التوبة : وهذا يدل أن كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف ، وذلك التثاقل معصية . ويقول الرازي بعد ذلك ، إن خطاب الكل وإرادة البعض مجاز مشهور في القرآن) .
فالله هنا يقرع الصحابة بسبب تثاقلهم عن الغزو وكما لا يخفى فإن الله تعالى توعد الصحابة في هذه الآية بالعذاب الأليم وباستبدالهم بقوم آخرين - الفرس على رأي - إذا لم ينفروا في سبيله ، فأين مدح الله للصحابة هنا ؟ ! وفي نفس سورة التوبة هذه تقرأ قوله تعالى : ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) (سورة التوبة 75 - 77) . المشهور أن هذه الآية نزلت في أحد الصحابة على عهد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهو ثعلبة بن حاطب الأنصاري ، الذي شكا لرسول الله الفقر وطلب أن يدعو له الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالغنى والثروة ، ولما أعطاه الله سؤله رفض دفع الزكاة وقال : إنها الجزية أو أخت الجزية ، فأنزل الله فيه هذه الآية . إن ثعلبة صحابي أنصاري عاش مسلما مؤمنا بالله ورسوله لكنه يوصف بالنفاق كما قال تعالى ; فأين عدالة الصحابة جميعا ؟ ! وأين ما يدعيه علماء أهل السنة وأئمتهم ؟ ! ثم يأتي من يقول : إذا انتقصت أحدا من الصحابة فأنت زنديق ! ! فها هو الله ينتقص بعضهم بل كثير منهم ، أفتونا بعلم إن كنتم صادقين . ويقول تعالى في سورة الأحزاب : ( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) (سورة الأحزاب : 12) . قد يقول كثير من علماء أهل السنة : إن هذه الآية خاصة بالمنافقين ولا دخل لها بالصحابة ( وسنبين أن المنافقين هم صحابة كذلك فيما بعد ) ولكن من ينظر مليا إلى الآية فسيجدها تقصد فئتين ، المنافقين ثم فئة أخرى غير المنافقين وهم الذين في قلوبهم مرض . يقول الله تعالى عز وجل في سورة الأحزاب أيضا : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما ) (سورة الأحزاب : 53) .
وقد قال الإمام الفخر الرازي في تفسيره : " القائل هو طلحة بن عبيد الله الذي قال : لئن عشت بعد محمد لأنكحن عائشة " (تفسير الفخر الرازي لهذه الآية 25 : 180 ، تفسير الدر المنثور 6 : 643 ، وأنظر تفسير الآلوسي حيث يورد رواية عن ابن عباس لكنه كعادة القوم لم يذكر طلحة بالاسم فيها وإنما بلفظ " رجل " ، ثم أورد اسمه في رواية ثانية حاول تضعيفها بدون أي دليل ! أنظر روح المعاني للآلوسي البغدادي 11 : 249 - 250) .
ويقول تعالى في آية أخرى من سورة الأحزاب : ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ) (سورة الأحزاب : 30) . نعم هذا هو منطق القرآن لا قرابة بين الله وبين أحد من خلقه ولا مجاملة من الله ولا من رسوله لأحد ، لا لصحابي ولا لزوجة النبي ، إن أكرم الخلق عند الله أتقاهم بما في ذلك الأنبياء والمرسلين ، بل إن صحبة الرسول مسؤولية خطيرة وكذلك الزوجية له ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فمن لم يراعها حق رعايتها كان عذابه مضاعفا لما رأى من الحق ومن هدي الرسول الكريم ، فهل بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من هاد وهل بعده من عظيم؟! ولولا رسول الله لأخذ عذاب الله كثيرا من الصحابة كما أخذ السامري ومن كان قبل الصحابة من أتباع وأصحاب الأنبياء ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ليعذبهم وهم يستغفرون ) (سورة الأنفال : 33) . ويقول الله تعالى في سورة الأحزاب : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ) (سورة الأحزاب : 57) . إن الله لا يتأذى ولكن أذى الله من أذى الرسول ، وعليه فكل من آذى الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) صحابيا أو غيره فقد آذى الله ، وهذا نظير قوله تعالى : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) (سورة النساء : 80) ، وما أكثر من آذى الرسول من الصحابة والصحابيات ، ومن أراد اليقين فليبحث فسيرى عجبا . ويقول الله تعالى في سورة آل عمران : ( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم * إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (سورة آل عمران : 121 - 122) . ويقول الفخر الرازي في تفسيره : " أنها نزلت في حيين من الأنصار هما بترك القتال في أحد والعودة إلى المدينة أسوة برأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول " (التفسير الكبير للفخر الرازي - تفسير سورة آل عمران : 121 - 122 ، تفسير الطبري 4 : 48 ، الدر المنثور 2 : 305) . ويقول تعالى في سورة آل عمران حول معركة أحد : ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة... ) (سورة آل عمران : 152) . ويقول كذلك : ( إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون ) (سورة آل عمران : 153) . ويقول أيضا : ( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ) (سورة آل عمران : 155) . .