الموضوع في غاية الاهمية..المرجو الصبر على قراءته حتى النهاية
الصدمة كانت عنيفة ............. كان لابد من أن نجد طريقا للهروب منها!!!
نُشئنا جميعا منذ نعومة أظافرنا (في المدرسة في البيت في الإعلام في .......) على حب أوطاننا ومجتمعتنا، وكان محور هذه التنشئة هو أن يربى في نفوسنا منذ أيام طفولتنا الأولى أننا نعيش في يوتوبيا (مدينة افلاطون الفاضلة) تتصف بالكمال في كل شئ.
ندرس في المدرسة ونسمع في الأغاني الوطينة ونلقن من أبائنا بأن أوطاننا لها أفضل موقع جغرافي في العالم... مناخنا هو أكثر مناخ معتدل في العالم ..... تاريخنا هو أعظم تاريخ..... أرضنا هي أكثر الأراضي الغنية بالثروات.... جيوشنا أقوى الجيوش ....شعوبنا أطيب الشعوب........إلخ
باختصار بلادنا هي أفضل البلاد في كل شئ ونحن أفضل الناس في كل شئ.
وما أن بدأنا نكبر ونرى الحقيقة بأنفسنا حتى بدأ وهم هذه اليوتوبيا يتبدد في مجال تلو الأخر (رياضة، فن، ثقافة، فكر، سياسة، إقتصاد، جيوش، صناعة، تجارة، تكنولوجيا، علم،..........والقائمة طويلة) لنرى بوضح كامل أننا لسنا كما كنا نظن.
أصحاب الذاكرة النفسية القوية سيتذكرون كم كانت هذه اللحظات مؤلمة جدا، لحظات الاستيقاظ من حلم الطفولة الجميل إلى كابوس الواقع المرير. النتيجة كانت صدمة عنيفة جدا وكان لابد على نفوسنا أن تجد حلا للهروب من هذا الصدمة النفسية.
في البداية ومع صعوبة الأزمة النفسية لم يجد معظمنا سوى ملجئين للهروب من الصدمة وبالتالي تشكل فيننا معسكرين لجأ إليهما معظمنا:
-
-
-
الجلادون للذات
هؤلاء كانوا أكثر انتماءا للواقع، فبدأ حلم الطفولة الجميل يتحطم أمام أعينهم ولأنه كان سبب صدمتهم فقد كرهوا هذا الحلم بكل ما يحمله من مثاليات جميلة.
ردة الفعل الطبيعية كانت السخط العارم والكراهية الشديدة لكل ما يحيط بهم،
في البداية يسبب هذا السخط ألم نفسي ثم يتم التألقم مع هذا السخط ثم أعتياده وينتهي الأمر بالاستمتاع بهذا السخط ليصل إلى حالة أقرب ما تكون إلىالماسوشية (أو الاستمتاع بتعذيب النفس) في نظرته لمجتمعه. وقد يصل الأمر بالبعض إلى حالة من العشق لهذا السخط تنتقل بالتبعية إلى عشق لكل عيوبنا والسعي للحفاظ عليها لأنها تحقق له متعة السخط على المجتمع، فلو أختفت العيوب سيختفي السخط وستضيع متعته.
فمثلا لو تكومت في شارعك بعض القمامة ثم سألت جارا لك من هذا المعسكر أن يساعدك في إزالتها، فستكون إجابته:
حتى وإن نظفنا شارعنا فكيف سننظف بلد شعاره القذارة؟
وإن نظفنا الشوارع فكيف سننظف القلوب القذرة المحيطة بنا؟
فإذا ما أردت أن تتركه لتقوم بذلك وحدك سعى ورائك قائلا دعك من هذا ووفر جهدك فلن تجنى من وراء ذلك شيئا ويظل وراءك حتى يثنيك عن تنظيف الشارع.
على باب هذا المعسكر كتب "مفيش فايدة" ...وشعاره "إنت بتنفخ في قربة مقطوعة"
المقدسون للذات
هؤلاء كانوا أكثر انتماء لحلم الطفولة الجميل، فرفضوا تصديق الواقع المحيط بهم فتارة ينكرونه وأخرى يجملونه وثالثة يتجاهلونه، ليتمكنوا من الحفاظ على قدسية حلم طفولتهم اليوتوبي.
برع أبناء هذا المعسكر بشكل رائع في فلسفة المسكن أسهل من العلاج والمخدر أفضل من الحل، فتراهم لديهم قدرة فائقة على تحويل العيوب إلى مميزات وعلى تسطيح المشاكل وعلى الهروب من المواجهات، وبينما يكون الواحد منهم في أسوء حال ينظر إلى الكل باحتقار شاعرا من داخله بالعظمة العليا التى لا يجرحها شئ. وقد ينتهي به الأمر إلى حالة من البارانويا (جنون العظمة) في نظرته لمجتمعه. وهذه البارانويا قد تدفعه إلى الحفاظ على عيوبنا ومحاربة كل من يحاول علاجها أو حتى إظهارها حفاظا على عظمته.
فمثلا لو ذهبت إلى أحد أبناء هذا المعسكر من جيرانك لتسأله أن يساعدك في إزالة نفس كومة القمامة لسمعت أعجب الردود مثل:
وهل شارعنا فقط هو الذي يحتوى على القمامة؟ كل الشوارع هكذا..
يا أخي ألم تذهب إلى شارع كذا لترى كومات القمامة؟ إنها أكثر مما عندنا، لعلمك نحن أنظف شوارع المدينة...
أي قمامة هذه التى تتحدث عنها إنت تردد أقوال الحاقدين علينا والحاسدين لنا...
هكذا وجدنا أبائنا وإنا على آثرهم مقتدون، أتنهانا عما كان يفعل أبائنا؟
هذه ليست قمامة إنها زخارف تزين شوارعنا ولكن الحمقى من أمثالك يرونها قمامة ولن نسمح لأحد بأن يزيل زينتنا التى نتزين بها.
على باب هذا المعسكر كتب "نحن الأفضل مهما قيل ومهما حدث" ...وشعاره "القافلة تسير والكلاب تعوي"
غرفة العمليات
هذان المعسكران يحتلان مساحة شاسعة في أمتنا ويجتذبان معظم أبنائها، ولكن تبقى مساحة صغيرة بين هذين المعسكرين تكفي لكي نبنى بها غرفة علميات لعلاج عيوب أمتنا ونسعى لأن نجذب إليها أكبر عدد ممكن من أبنائها الغيورين عليها والمحبين لها يقومون بعلاجها والسعي إلى شفائها.
ما أريد أن أطرحه عليكم لكي نتناقش فيه هو :
ما هي حدود هذه الغرفة؟ وما هي خصائصها؟ كيف نجعلها جذابة لشبابنا وبناتنا لنبعدهم عن المعسكرين؟
بمعنى أوضح كيف نتناول عيوبنا وهمومنا وقبائحنا وقمامتنا لنزيلهم من حياتنا بعيدا عن جلد أو تقديس ذواتنا بعيدا عن الماسوشية والبرانويا؟
أترك الأمر لأرائكم واقترحاتكم لنتعلم منها طرق العلاج السليمة.
-
-
-
ملحوظة هامشية:
ما دفعني إلى كتابة هذا الموضوع هو أنني لاحظت أن المواضيع المطروحة والتى تمس عيوبنا الذاتية دائما ما تتحول في النهاية إلى معركة بين المعسكرين لتبقى غرفة العمليات خاوية.
وما أهدف إليه هو أن ندفع بعضنا بعضا إلى الغرفة بعيدا عن المعسكرين
هذا الموضوع منقول للاستفادة و المناقشة
في انتظاركم.. تقبلوا تحياتي