هل حان أوان التطبيع والتعاون الإقليمي مع إسرائيل؟
ماجد كيالي
بتوقيعها مع إسرائيل اتفاقا بشأن إنشاء ثلاث مناطق صناعية مؤهلة، في القاهرة الكبرى والإسكندرية وبور سعيد، تكون مصر تقدمت بخطوة نوعية واسعة باتجاه فتح أبواب التطبيع وعلاقات التعاون الثنائي والإقليمي مع إسرائيل.
جدير بالذكر أن هذا الاتفاق يتيح لمنتجات صناعية مصرية دخول السوق الأمريكية من دون تسديد رسوم جمركية، شريطة أن تكون 11.7% من مكوّناتها مصنوعة في إسرائيل.
وبحسب مصادر إسرائيلية فإن هذا الاتفاق سيؤدي إلى زيادة حجم التجارة بين مصر وإسرائيل بنسبة أربعة أضعاف، من 25 مليون دولار في العام الحالي، إلى 100 مليون دولار العام القادم، و250 مليون دولار في عام 2007؛ علما أن حجم التجارة بين مصر وإسرائيل بلغ قبل الانتفاضة حوالي 60 مليون دولار؛ 40% منها سلع مصدرة من إسرائيل. (يديعوت أحرونوت7/12).
ويبدو أن مسار التعاون لاقتصادي لن يقتصر على هذا الاتفاق، فالمعلومات تشير إلى أنه ثمة مباحثات تتعلق بتصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، في صفقة تجارية كبيرة تزيد على 5.2 مليارات دولار، على مدى 15 عاما.
معلوم أن هذا الاتفاق ليس وحيد نوعه، إذ إن الأردن وقع على اتفاق كهذا عام 1999، بحيث إن حجم التصدير من المنطقة الصناعية الإسرائيلية - الأردنية بات يبلغ حوالي 5 مليارات دولار في السنوات الخمس الماضية.
على كل فإن ما يثير الانتباه في هذا الاتفاق، ليست جوانبه الاقتصادية، فحسب، وإنما توقيته وكونه يؤشّر على مدى التحولات الحاصلة في العلاقة بين مصر وإسرائيل، بأبعادها السياسية والأمنية خصوصا؛ لاسيما أنه ثمة حديث عن دور مصري متزايد في عملية التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وثمة تفاهم على تعديل في الشق الأمني في معاهدة كامب ديفيد، يتيح لكتيبتين من الجيش المصري، قوامهما 750 جنديا، المرابطة على الحدود المصرية ـ الفلسطينية عند محور فيلادلفيا، بالإضافة إلى عودة السفير المصري إلى تل أبيب.
اللافت أن مصر ظلت، طوال الفترة الماضية، تقيم سلاما باردا مع إسرائيل، برغم معاهدة السلام القائمة بينهما، حتى إنها تجاوزت ذلك إلى رفضها إقامة علاقات تطبيع كاملة معها قبل انسحابها من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته. وإضافة إلى هذا وذاك فإن مصر، في عقد التسعينيات، أي في ذروة عملية التسوية العربية ـ الإسرائيلية، كانت اضطلعت بدور نشط في كبح جماح بعض الدول العربية التي حاولت التفرد بإقامة علاقات تعاون ثنائية مع إسرائيل، وعملت على إجهاض المشروع الأمريكي المتعلق بإقامة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط.
وكانت عملية التسوية التي انطلقت من مؤتمر مدريد (1991)، برعاية أمريكية، تضمنت مسارين تفاوضيين: أولهما، ثنائي معني بمستقبل الأراضي المحتلة؛ وثانيهما متعدد الأطراف، شاركت فيه الدول العربية والدول الكبرى إلى جانب إسرائيل؛ لتحقيق التطبيع والتعاون الإقليمي بين العرب وإسرائيل، وصولا إلى إقامة نظام شرق أوسطي جديد في المنطقة، يضم إسرائيل والدول العربية وبعض دول الجوار العربي، بدعم من الولايات المتحدة؛ وجرى الترويج، آنذاك، إلى أن هذا النظام سيساهم في تحقيق السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة.
وكانت الفلسفة الكامنة من وراء فكرة المسارين تفيد بأن عملية التسوية يجب أن تسير جنبا إلى جنب مع علاقات التطبيع والتعاون الإقليمي، وأن السلام يحتاج إلى تشجيعات ومناخات اقتصادية واعدة. ولكن تعثر عملية التسوية، لاسيما مع الجانب الفلسطيني، خصوصا إبان حكومة نتنياهو (1996ـ1999)، أدى إلى انهيار المفاوضات المتعددة، لاسيما أن العرب رفضوا فكرة التطبيع ومشاريع التعاون الإقليمي، قبل إيفاء إسرائيل بالتزاماتها المتعلقة بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في فلسطين والجولان السورية وجنوب لبنان.
الآن يبدو أن الظروف تغيرت كثيرا، فالرياح الشرق أوسطية تبدو سريعة وحامية، وتختلف عن تلك التي هبّت في مطلع التسعينات في جوانب عدة أهمها:
1 ـ وجود أجندة شرق أوسطية متعددة للإدارة الأمريكية، أكثر بكثير من سابقتها، من ضمنها: الحرب على الإرهاب؛ ادعاء نشر الديمقراطية؛ فرض الاستقرار في العراق؛ المواجهة مع إيران وسوريا؛ ضمان أمن إسرائيل.
2 ـ الوجود العسكري الأمريكي المباشر في العراق، والذي يتيح للولايات المتحدة إبداء قدر أكبر من محاولات ابتزاز البلدان العربية والتدخل في شؤونها.
3 ـ محاولة الأنظمة العربية تجنّب التحديات والتهديدات التي تتعرض لها من قبل إدارة بوش، عبر إبداء مرونة إزاء التعامل مع استحقاقات المشاريع الأمريكية، بالاكتفاء بتعديل شروطها، بدلا من ممانعتها أو رفضها.
4 ـ اقتراب الطرف الأوروبي من الأطروحات الأمريكية، المتعلقة بضرورة فرض الإصلاحات والتغييرات السياسية والاقتصادية والثقافية في المنطقة، رغم بعض التمايزات بينهما؛ وذلك نتيجة تنامي الشعور المشترك بمخاطر العمليات الإرهابية، في أوروبا والولايات المتحدة وغيرهما.
5 ـ افتراض المشروع الشرق أوسطي الجديد/القديم، الذي باتت ترعاه إدارة بوش، ضرورة إجراء تغييرات في النظم السياسية في المنطقة، وهي أمور جديدة لم يتم تناولها من قبل، حيث كان التركيز يتم على الأسس السياسية والأمنية والاقتصادية، أي من دون التدخل في الشؤون الداخلية للأنظمة العربية.
من كل ذلك يبدو أن مصر حسمت أمرها، في مجال توسيع علاقات التطبيع والتعاون الإقليمي مع إسرائيل، لتسخين السلام القائم معها، من دون أن تنتظر انسحابا إسرائيليا من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، أو تحقيق إنجاز ما للتسوية على الجبهة الفلسطينية، وبالطبع من دون أن توجد نوعا من الإجماع العربي حول خطوتها؛ وهي أمور كانت تحرص عليها كثيرا من قبل.
أما بالنسبة لإسرائيل فهي ترى في هذا الانفتاح وفي الحرارة المصرية مكسبا مهما يضاف إلى المكاسب الاستراتيجية التي حصلت عليها منذ مجيء إدارة بوش واندلاع الحرب الدولية ضد الإرهاب واحتلال العراق وتقويض عملية التسوية.
عموما فإن إسرائيل لا تنظر إلى العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية، من زاوية المردود الاقتصادي البحت، وإنما من منظور عوائدها الاستراتيجية: السياسية والأمنية؛ ولاشك أن تطور علاقات إسرائيل مع مصر، التي تحتل مكانة مهمة في العالم العربي، بفضل حجمها ودورها التاريخي السياسي والثقافي والعسكري في العالم العربي، يكتسب أهمية جد كبيرة.
على أية حال فإن إسرائيل لم تخف حال الحبور التي سادتها إثر توقيع الاتفاق، وبحسب إيهود أولمرت وزير التجارة الإسرائيلي، فإن الاتفاق يكتسب أهمية أبعد بكثير من مجرد تعزيز التجارة والاقتصاد.. هذا الاتفاق من شأنه أن يعزز الاعتقاد بإمكان تحقيق حلم تغيير المناخ في الشرق الأوسط..حين توقّع مصر اتفاقاً مع إسرائيل توفّر ضوءاً أخضر للدول العربية الأخرى للقيام بالمثل. وبدوره أشاد شارون بما سماه "الروح الجديدة في العلاقات المصرية الإسرائيلية".
الآن ثمة أسئلة تطرح نفسها بإلحاح من ضمنها: إلى أين ستذهب مصر بالعلاقة مع إسرائيل؟ وما الذي تغير في إسرائيل حتى تقدم مصر على خطوة كهذه من خارج الإجماع العربي؟ ثم هل انتهى زمن ممانعة مصر لعلاقات التعاون الثنائي والإقليمي مع إسرائيل، بحيث باتت أكثر قبولا بالمشروع الشرق أوسطي؟
الواقع أن إسرائيل مازالت تصر على بقاء الاحتلال والاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري، وهي تواصل فرض الحصار المشدد على الفلسطينيين والإمعان فيهم قتلا وتدميرا. وحتى إن شارون نفسه تجاهل الإشارات السورية لاستئناف المفاوضات من دون شروط. وفي خطاب ألقاه، بعد الخطوة المصرية، في ختام أعمال مؤتمر "هرتسيليا" (16/12) كرر شارون مواقفه المتعنتة المتعلقة برفض الانسحاب إلى حدود عام 1967 وإبقاء الكتل الاستيطانية ورفض حق عودة اللاجئين؛ مؤكدا أنه ثمة تفاهم استراتيجي بهذا الشأن مع الرئيس بوش! والأنكى أن شارون يرفض حتى مجرد اعتبار خطته بشأن الانسحاب من قطاع غزة، خطوة على طريق تطبيق "خريطة الطريق"! فما الذي تبقى؟
لا شك أن الزمن تغير، والأحوال تغيرت معه، لاسيما مع وجود إدارة أمريكية تمحض كل دعمها لإسرائيل، ومع احتلال العراق، رغم ذلك فإن الخطوة المصرية تبدو متعجّلة، كخطوة في الفراغ، في غير أوانها ومن دون تبادلية أو مقابل مقنع.
فما هي يا ترى الخطوة التالية؟! وإلى أين سنذهب من هنا في هذا العالم العربي الذي يتخبط ذات اليمين والشمال سواء في الحروب أو في السلام؟!
*كاتب فلسطيني متخصص في الشؤون الإسرائيلية