أنا أكتب لأتذكر وجه أمي
وعطف أمي
وطيبة أمي
ووداعة أمي
وكما قال الشاعر العربي القديم :
تذكرت شيئاً قد مضى لسبيله
ومن عادة المحزونِ أن يتذكرا
فلم أحب شخصاً في حياتي كما أحببت أمي
ولم أحتاج لشخص في حياتي كما أحتاج لها
لكننا لا نشعر بقيمة الأشياء إلا لحظة افتقادنا لها
ولقد شعرت بعد موتها
بأنني كمن يبحث عن أبره وسط كومة قش
أو عن نبع صغير عذب في محيط شاسع الملوحة
فقد كانت لي أماً حنونة
وجداراً ضخماً أستند إليه كلما احتجت إلى سند
أو عون أو عزاء
كان هم قلبها أن يستوي في الأفق بدري
وكانت دعواتها تضئ ليل حزني
وتفتح مغاليق عسري وضيقي وضعفي .
كانت تعرف ما في نفسي
كأنني وعاء تستشف ما بداخله
لقد منحتني حباً لا يستطيع مخلوق
أن يطبع منه نسخة أخرى .
كانت إذا لمحت الحزن في عيني فزعت
ولو تأخرت عليها ليلة جزعت
ولو رأت التوتر والضيق حل بي اغتمت وبكت
كانت أمومتها لي وطناً أخضر
لقد كانت أمي امرأة خارقة
لا ينقصها شئ .. إلا .. الموت، وقد أكملت غصتي بها .
الذكريات تتدفق إلى ذهني مزدحمة، ومتكاثفة
فثم ليال تهاجم المرء فيها الذكريات
من غير أن يدري ما الذي أثارها ؟
وتطوف بذاكرتي المثخنة بالأحزان والأشجان
كل ما قيل عن الأم وفي الأم
وأجد الذاكرة تشرع نوافذها
لتخرج منها كلمات الدفء، والمودة، والمحبة
أكثر من نصف عام مضى والجرح حي وساكن كلغم
فهل يبلغ حزني سن الرشد ؟
أم أن فجيعة كهذه ستظل في رحم الذكريات طفله إلى الأبد .
فثم شئ في ذاكرتي يزيح تابوت النسيان
وثم أشياء لا تستطيع نسيانها مهما كانت ذاكرتك رديئة
ومزدحمة الدهاليز بالوجوه والأصوات الهاربة، والحقائق الجارحة .
إن غيابها عن حياتي أشبه ما يكون بذلك الجرح الذي لا يندمل
حقاً مع الأيام وإنما نزداد وعياً بأبعاده .
فلقد أحسست أن ثم ضوء كنت أحسه في أعماقي
أنطفئ وللأبد منذ اللحظة التي ودعت فيها أمي .
أدرك أن الفراق حق والبين حق وأن الموت حق .
كل مجتمع مصيره إلى افتراق
وأعرف أنني منذ اللحظة التي ودعتها فيها
كنت أدرب نفسي على فراق يقيني
لأنني أعلم انه لن يتاح لي بعدها
أبدا أن أهمس لورده الحياة أني أحبك
ولن يتاح لي سوى الأنين خلف الجدران الرطبة
لكنني في الوقت ذاته أجد أنه من العصي على قلبي وفكري
أن أرى الموت يمد يده ويصفعني بشده
ولا أتوجع ولا أفجع ولا أدمع .
وأرى أزهار فرحي وسروري تتساقط من بستان القلب .
وأغدو كسفينة تغرق في بحار الأسى
دون أن أشعر بالوحدة والحاجة واللوعة والنزف .
يجيش بي الحزن وأشعر أنني
أود الاسترسال بالكلمات إلى مالا نهاية
وإن تكن صامته ولكن أعود فأتحسر
وتتعثر الكلمات في حلقي ثم تنقطع .
إنني صوت مكتوم وعلى عيني عصابة .
ويحزنني كغصة في القلب
أن حبي وتعلقي بها ما يزال ندياً كالغابة بعد المطر
فوجهها الحنون الذي أحمله داخل دورتي الدموية
أطوف به الدنيا والأزمنة ظل كما عرفته لا يهرم ولا يموت .
أحاول اليوم أن أقف بعدها صلباً كشجره في وجه الريح
فيا ليتني أستطيع .
()×()×()×()×()×()×()
طــرب
رحم الله والدتكـ وأسكنها فسيح جناته .
من أعماق أعماقي أشكرك
على ما خطته أناملك من كلمات
لنبع الحنان ( الأم ) .
فقد ذكرتني بوالدتي رحمها الله .
كل الود والمحبة لشخصكـ الكريم .
[SOUND]http://www.q6of.com/she3r/moseka-klfyat/ram/2.ram[/SOUND]
كـان هنـا :
/
\
/
\
البحــــر