ولكي يكون شبابنا قرة أعين
د. سـامي سـعيد حبيـب
غني عن القول أن الشباب هم عماد الأمة أي أمة وهم قادة مستقبلها وعليهم بعد الله تعالى تعقد الآمال في النهوض بالأمم والخطو بمسيرتها نحو الأمجاد والمعالي والسؤدد، وكفى بالشباب فخراً أن معظم من أتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقفوا معه المواقف العظام وشهدوا معه معارك الإسلام وتحملوا تحت لوائه المسؤوليات كانوا من فئة الشباب بداية من سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي أسلم و هو لا يزال في سن الطفولة و بات في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعمية كفار قريش الذين بيتوا قتل الرسول الكريم عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم في حادثة الهجرة النبوية ومروراً بابني عفراء اللذين تصديا لأبي جهل يوم بدرٍ الكبرى وهما لا يزالان في سن المراهقة لم يتجاوزا الثالثة عشرة أو بأسامة بن زيد الذي قاد جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه شيخا الإسلام أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وهو لا يزال ابن السابعة عشرة من عمره.
ولئن كنت قد انتقدت في مقالي للأسبوع الماضي المعنون ''نهب أكاديمي'' تصرفات فئة قليلة من الشباب السعودي خرجوا على أعين الناس عن السلوكيات والآداب الراقية المقبولة شرعاً وعرفاً من خلال برامج ما يسمى بالتلفزيون الواقعي فخيبوا آمال المجتمع فيهـم وغيروا من نظرة العالم عن التماسك الأخلاقي للمجتمع السعودي، وإن كنت أيضاً قد كتبت مراراً وتكراراً مستنكراً ما تقوم به طائفة أخرى من شبابنا انحرفت فكرياً فتنكبت طريق الحق واتخذت من العنف طريقاً ومنهاجاً وغيرت الصورة الذهنية المحلية والعالمية عن المستوى الأمني لهذه البلاد المباركة، فان الغالبية العظمى من شباب هذا البلد الطيب هم لبنات خير وعطاء تتسم بفضل الله تعالى بقدر وافر من الاتزان الفكري والسلوكي، وتتوق للخير والرقي، ومن خلال التحاور مع الشباب تبلورت أفكار وطروحات ساهموا في تشكلها عن ما نتوقعه من شبابنا السعودي وفتياتنا السعوديات ليكونوا قرة أعين لمجتمعهم وعائلاتهم الكبرى ووالديهم، في ما يلي غيض من فيض منها:
التدين الحضاري البشوش: إن مجتمعنا السعودي مجتمع مسلم بطبيعته عميق التدين، بل إن تدينه ضارب في التاريخ فهنا مهبط الوحي ومنطلق دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام لحج البيت العتيق، وهو محط أنظار العالم الإسلامي ففيه الحرمان الشريفان وقبلة المسلمين ومشاعر الحج، ودستوره المعلن هو الشرع الحنيف، فلا عجب أن يكون شبابه متديناً، وكم هو جميل أن يتربى الشاب في طاعة الله وعبادته، لكن للأسف فان ثمة فئة من المتدينين بيننا لا تكاد ترى من الإسلام إلا التشريع، ولا تكاد ترى في التشريع إلا الحدود والعقوبات، والأحرى بالشاب المسلم أن تنعكس آثار تلك الطاعة والعبادة على السلوكيات والتعاملات فالدين المعاملة فيتحلى الشاب بأخلاقيات المؤمن التي استفاضت الأحاديث الكثيرة في وصفها فالمؤمن هينٌ لينٌ بسّام في وجه الناس نفّاع لهم ليس بطعان ولا لعان ولا متسخط محب للخير للناس كل الناس، يقول سيدنا عبدالله بن العباس رضي الله عنهما (والله إني لأفرح للمطر ينزل بالبوادي وليس لي فيها ناقة ولا جمل).
التسامح غير المذيب للشخصية: يحاول أعداؤنا وصمنا بأننا أمة تحمل بزعمهم الكراهية وإقصاء الآخر، وديننا من هذا براء فهو الذي أعلنها على البشرية واضحة كالشمس في رابعة النهار (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)، ومع ذلك فإن الخلط في موضوع التسامح أمر خطير جداً، فالتسامح لا يعني أبداً أن يذيب الشاب شخصيته وكيانه وهويته في الآخر ويتحول إلى مسخ باسم التسامح، إن حدود التسامح مع الآخر هو عدم إلزام الأخر أو إكراهه على ما نعتقد صوابه، وهذا الآخر إما أن يكون من أبناء ملتنا فيكون حوارنا معه ضمن الإطار الإسلامي العام ومن خلال مبادئ التسامح الفكري للخلاف في دائرة الإسلام التي أحسن التعبير عنها الإمام مالك رحمه الله بمقولته المشهورة (رأينا عندنا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا عندنا خطأ يحتمل الصواب)، وإما أن يكون الآخر من أبناء الديانات والحضارات الأخرى فندعوهم للحوار الفكري حسب المنهج القرآني للحوار بالمنطق العقلاني وبالجوانب المشتركة الإنسانية والعقدية إن كانوا من أهل الكتاب، ونظل مع ذلك متمسكين بحبل الله المتين لا نحول عنه ولا نزول إرضاءً للآخر تحت مسمى التسامح، ويبقى الشاب المسلم متمايزاً بدينه وخلقه وسمته كالشامة بين الناس.
الخلق المتين: ان افضل ما يمكن أن يتحلى به الشاب المسلم الذي يريد أن يكون مؤثراً في هذه الحياة بطريقة إيجابية بعد الإيمان بالله تعالى هو الأخلاق الفاضلة الكريمة، فيكون بذلك من صناع الحياة وروادها ولذلك فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم الموعدة بمكافأة كبرى لأصحاب الأخلاق الكريمة (إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً)، كما أنه ربط صلى الله عليه وسلم بين الرقي الإيماني وحسن الخلق ففي الحديث لما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أي المؤمنين أفضل إيمانا؟ قال صلى الله عليه وسلم: (أحسنهم أخلاقاً)، وما أحوج مجتمعاتنا المسلمة للتعامل الأخلاقي الراقي ونبذ بعض مخلفات الماضي وتراكمات الأخذ عن الآخرين في الحاضر في مجال الأخلاقيات والعودة إلى نبع الأخلاق الصافي: الأخلاق النبوية التي تنزل بشأنها قرآن يتلى وشهادة إلهية بأنها هي القمة والمنتهى في مجال الأخلاق فمدح المولى تباركت أسماؤه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بصيغة جامعة لم يرد في القرآن مدح لسواه بمثلها في قوله تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم)، فيستمد الشاب الخلق الكريم في التعامل مع الآخر من الأخلاق النبوية الفاضلة التي تحترم إنسانية الناس حتى وإن كانوا على غير ديننا، وتعطي للناس أقدارهم وتنزلهم منازلهم وتنتهج الصدق والأمانة بمفهومها الشامل في التعامل معهم، ولا تغفل الحلم والتسامح والعفو في مواضعها ولا الكرم وحب الخير للناس، وفي الحديث الشريف (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم).
التمكن من العلم: وهذه على وجه الخصوص ميزة يجب أن يسعى لها الشاب المسلم ليكون من المميزين في الحياة في عصر راجت فيه في المجتمعات المسلمة الرغبات في الحصول على الشهادات العلمية أكثر من الرغبة في الاتصاف بحقيقة العلم، ولن تستطيع المجتمعات المسلمة أن تخرج من طور التبعية إلى طور الاستقلالية ثم إلى صدارة البشرية كما هو واجبها ما لم يحرص شبابها ذكوراً وإناثاً على طلب العلم بشغف والوصول إلى مراحل متقدمة من التمكن العلمي والمعرفي، ولو أن الشباب استحضروا في أذهانهم أنهم في عبادة لله ما داموا في طلب العلم وأنهم بذلك يمهدون لدنياهم وأخراهم ويسهمون في الرقي بمجتمعاتهم وأن ناتج العلم ليس محصوراً أبداً في الحصول على الألقاب والوظائف وإلا لزاد ذلك في شحذ هممهم ولخصصوا له جل أوقاتهم وأعظم نشاطهم.
التحلي بأخلاقيات العمل: العمل قيمة كبرى في المنهج الرباني وفي الحديث الشريف (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) فأخلاقيات العمل جزء أصيل من تراثنا الإسلامي العظيم، ويمكن التعبير عن هذه القيمة بالتعبيرات العصرية على أنها الاتجاهات الإيجابية لدى الموظفين أو العاملين نحو أداء العمل بطريقة تحقق كفاءة أداء الأفراد والمؤسسات سوية، وهذه القيم وردت في القرآن العظيم في أكثر من موضع منها قوله تعالى عن موسى عليه السلام (إن خير من استأجرت القوي الأمين)، وعن يوسف عليه السلام (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)، ورغبة الشاب في تأدية العمل عند هذه المستويات تتطلب منه مواصلة ما يعرف بتنمية الذات والحصول على المهارات في شتى المجالات كالاتصال واللغات والحاسب وسواها والتطلع إلى الترقي المستمر في الأداء.
الأهداف السامية: ومن كانت تلك تطلعاته من شبابنا فإنه ولا ريب سيكون من أصحاب الأهداف السامية في الحياة التي كلما تسنمت قمة تاقت لأعلى منها ولن يكون لها دون الجنان مطمح، وتكون قد عاشت بجسدها في الحياة وبقلبها مع الله، وضربت الأمثال في كيف يكون الشباب قرة أعين للأهلين والبلد.
رئيس الجمعية السعودية لعلوم الطيران و الفضاء