إكمال القصة
 | |  |
| وكان أسعد أوقات حياتي، ذلك النهار، عندما حققت حلم الطفولة، وصرت "أفكّ الحرف" مثلما يقول الكبار أي صرت قادرة على الكتابة، وهكذا حرّرت رسالتي الاولى اليها:
"أمي الحبيبة:
أنا مشتاقة اليك. لماذا لا تزورينني؟ ولماذا، كل رفاقي، توصلهم أمهاتهم الى المدرسة وأنا لا؟... تعالي بسرعة لأني احبك..
ابنتك ....................؟؟
< < <
وحين عثر هو على الرسالة، لم يؤنبني، بل اكتفى بسؤالي:
ـ كيف حصلتِ على عنوانها؟..
قلت:
ـ عنوانها معك... أنت سترسلها اليها.
ناولته الورقة، وتركت له القرار.
بعد ايام قليلة جاءني الجواب:
"ابنتي الحبيبة:
فرحت كثيراً بقراءة رسالتك الأولى اليّ. كم كبرتِ في غيابي،... سوف أبعث اليك، بصحبة أحد الاقارب، هدية جميلة. وثابري على الدرس والكتابة. احبُّك"..
< < <
مع مرور الايام، صارت الرسائل تتكدّس، وانا اخبئها في صندوق احمل مفتاحه قلادة في عنقي: "صندوق أسراري" أسمّيه. وبينما كان رفيقاتي يخفين رسائل الفتيان، عن أعين اوليائهن، قد ظلّ همي الوحيد، المحافظة على "كنزي" وإبقاءه في حرز أمين، فلا تطاله يد العابثين.
وبرغم انتقالنا، في السنوات الاخيرة، الى التواصل الإلكتروني، فقد ظلّت تلك الرسائل، السجل الثمين لعلاقة غامضة تربط بين غريبتين: الأم والابنة..
< < <
ولكن حضورها لا يقتصر على تلك الرسائل، بل تزورني في كل الاحوال والاوضاع. وفي الآونة الاخيرة لاحظت أنها صارت تأتي في احلام اليقظة، وأشعر بحضورها معي. ونجلس، مثل كل أم وابنتها، نتحاور.
وكانت تلك الاحلام رفيقتي في خلال الرحلة. وسمعتها تدافع عما آلت اليه حالنا، وبقوة:
ـ أنا لم اقرر مصيري، يا بنية، كنتُ مُجبرة. أريدك ان تعلمي... وحين لاحظت دهشتي، تابعت تصريحها:
ـ أبوك لم يشأ ان يحررني. وانا خفت ان اعود الى..
ـ لكنك تخليت عني وانا ابنتك..
ـ إنها القوانين والاحوال المفروضة على الحلقة الاضعف في المجتمع... المرأة.
ـ أولم يكن بوسعك ان تضحّي؟.. ان تبذلي قليلاً من التضحية؟..
ـ لكني مثلك، ضحيّة..!
انقطع مجرى الحلم حالما فتحت عينيّ. وانا اكره الملاحة والعتاب، خصوصاً اني احاول خلع كل الاثقال، فيما اعبر هذا المدى الشاسع الى المجهول... اليها!
وقلت لأبي، في آخر حوار بيننا:
ـ لن أغفر لك. ولن اسامح نفسي فيما لو ماتت امي قبل ان ألتقيها. أتعرّف اليها. أسمع جرس صوتها. وتغمرني بساعديها، وتهبُّ عليّ أنفاسها... حياتي هبة منكما أنت وهي، أما حريتي فهي حق إنساني، بات حقي وقد بلغت الحادية والعشرين من عمري.
تأملّني لحظات قبل ان ينهض عن كرسيه ويغادرني، كعادته، بصمت حزين.
< < <
في الماضي، كان يسألني:
ـ لنفترض انك سافرت، فمن سيموّل رحلتك؟
اليوم تخلى عن ذلك السؤال، لأنه يعلم أني أناضل من اجل استقلالي، وليس بالكلام وحده. وقد تمكنت، من خلال العمل، في الساعات الخارجة عن مواعيد الدروس، ان اجمع مالاً يكفي. واسعدني قراري الذي لم يشاركني فيه احد. فقد كانت خطوتي الاولى باتجاه الاستقلال، وتحرير جناحي من قيود الكبار.
< < <
ـ وماذا بعد؟
يهبط عليّ سؤال مفاجئ، والطائرة ترتج، إذ تصطدم بمطبّات هوائية، وهي تعبر المحيط الاطلسي غرباً. أمدّ يدي الاثنتين لأُحكم ربط الحزام، مستجيبة لنداء المضيفة، وهي الساهرة على راحة المسافرين:
"اربطوا أحزمة السلامة"..
< < <
لكن عبوري اليها هو استجابة لنداء يطلع من أعماق كياني، يأمرني: "فكّي الأحزمة... فكّي قيودك، وانطلقي".
"وها أنذا ألبّي النداء | |
 | |  |