- تابــــع ... قطري بن الفجاءة، الفارس الشاعر
ولقطري بن الفجاءة القصيدة العينية السائرة التي تعد واحدة من قصائد حمل النفس على المكروه، القليلة في الشعر العربي. وهي حربية نادرة مؤثرة وصفها ابن خلكان بأنها تشجع أجبن خلق الله(31). يقول فيها(32):
أقول لها وقد طارت شعاعاً * * * من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يومٍ * * * على الأجل الذي لك لن تطاعي
فصبراً في مجال الموت صبراً * * * فما نيل الخلود بمستطاع
ولا ثوب البقاء بثوب عزٍ * * * فيطوى عن أخي الخنع اليراع
سبيل الموت غاية كل حيٍّ * * * فداعيه لأهل الأرض داعي
ومن لا يعتبط يسأم ويهرم * * * وتسلمه المنون إلى انقطاع
وما للمرء خيرٌ في حياةٍ * * * إذا ما عد من سقط المتاع
وله(33):
ورب مساليط نشاط إلى الوغى * * * سراع إلى الداعي كرام المقادم
أخضعتهم بحر الحمام وخضته * * * رجاء الثواب لا رجاء المغانم
فأبنا وقد حزنا الثواب ولم نرد * * * سوى ذاك غنما وابتناء المكارم
وهنالك القصيدة الميمية السائرة أيضاً نسبت لقطري بن الفجاءة أو لغيره وهي كما وردت في الأغاني(34):
لعمرك إني في الحياة لزاهد * * * وفي العيش ما لم ألق أم حكيم
من الخفرات البيض لم أر مثلها * * * شفاء لذي بث ولا لسقيم
لعمرك إني يوم ألطم وجهها * * * عل نائبات الدهر غير حليم
ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت * * * طعان فتى في الحرب غير لئيم
غداة طفت علماء بكر بن وائل * * * وألافها من حمير وسليم
ومال الحجازيون نحو بلادهم * * * وعجنا صدور الخيل نحو تميم
وكان لعبد القيس أول جدها * * * وولت شيوخ الأزد فهي تعوم
فلم أر يوماً كان أكثر مقعصاً * * * يمج دماً من فائظٍ وكليم
وضاربة خداً كريماً على متىً * * * أغر نجيب الأمهات كريم
أصيب بدولاب ولم تك موطناً * * * له أرض دولاب ودير حميم
فلو شهدتنا يوم ذاك وخيلنا * * * تبيح من الكفار كل حريم
رأت فتيةً باعوا الإله نفوسهم * * * بجنات عدن عنده ونعيم
وقال الفرج الأصفهاني إنها لقطري بن الفجاءة فيما ذكر المبرد، أو لصالح بن عبدالله العبشي فيما ذكر المدائني، أو لعمرو بن القنا كما ذكر خالد ابن خداش أو هي لحبيب بن سهم التميمي كما ذكر وهب بن جرير.
قلت: "دولاب" قرية الأهواز كانت فيها وقعة بين الأزارقة والجماعة مشهورة. وأراد الشاعر بعلماء بكر كما ورد في البيت الخامس: على الماء. وهو كبّر سليم بينما هي بصيغة التصغير وذلك لضرورة الشعر. ويلاحظ الإقواء في البيت السابع. وأقعصه: طعنه. والفائظ: الميت. والكليم: الجريح.
وأورد أبو فرج ثلاثة أبيات من المائة المختارة وهي من الوزن والقافية نفسها وهي لبعض الشراة أيضاً كما ذكر ولكنه لم يجزم على قائلها إذ اختلف الرواة فيه فمنهم من يرويها لصالح بن عبدالله العبشي ومنهم من يرويها لقطري ومنهم من يرويها لعبيدة بن هلال اليشكري. وكأن أبا الفرج يفرق بينهما وبين القصيدة الدارجة والأبيات هي(35):
إذا قلت تسلو النفس أو تنتهي المنى * * * أبى القلب إلا ح أم حكيم
منعّمة صفراء حلوٌ دلالها * * * أبيت بها بعد الهدء أهيم
قطوف الخطا محطوطة المتن زانها * * * مع الحسن خلق في الجمال عميم
قلت: وشبهة الخلط بين القصيدتين واردة فلا يطهر أنهما لشاعر واحد فالأولى حربية يتمنى الشاعر لو شاهدته أم حكيم، وهي زوجته قطعاً، وهو يجود بنفسه في معمعة يوم دولاب، وهو يندم على ما كان من لطمه وجهها حين ضنك الدهر وغياب الحلم. بينما أبيات القصيدة الثانية غزلية وجدية تقترب من الأغراق في التشبيب وهذا، غالباً، شعر متمن.
قلت: ويلاحظ الإقواء في البيت الثاني من القصيدة الثانية.
قلت: وورد البيت: لعمرك إني في الحياة.. في قلت: وشبهة الخلط بين القصيدتين واردة فلا يطهر أنهما لشاعر واحد فالأولى حربية يتمنى الشاعر لو شاهدته أم حكيم، وهي زوجته قطعاً، وهو يجود بنفسه في معمعة يوم دولاب، وهو يندم على ما كان من لطمه وجهها حين ضنك الدهر وغياب الحلم. بينما أبيات القصيدة الثانية غزلية وجدية تقترب من الأغراق في التشبيب وهذا، غالباً، شعر متمن.
قلت: ويلاحظ الإقواء في البيت الثاني من القصيدة الثانية.
قلت: وورد البيت: لعمرك إني في الحياة.. في جمهرة أنساب العرب لأبي سهم الخارجي، وأظنه حبيب بن سهم، وقال ابن حزم: وقد يروي أيضاً لقطري(36).
أما أم حكيم هذه فروى أبو الفرج الأصفهاني أنها امرأة من الخوارج كانت مع قطري بن الفجاءة وكانت من أشجع الناس وأجملهم وجهاً وأحسنهم بدينهم تمسكاً، وخطبها جماعة منهم فردتهم ولم تجب إلى ذلك(37). وذكرها ابن حزم بأنها من بني امرئ القيس بن مالك بن الأوس بن حارثة، الأنصار، وأنها أم حكيم بنت عمرو بن قيس بن عامر بن جعدة بن ثعلبة بن سالم بن مالك بن واقف. وأنها هي المعنية بقول الشاعر: لعمرك إني في الحياة لزاهد.. وقيل إن هذا البيت لقطري بن الفجاءة(38).
قلت: قد سكون ذلك صحيحاً عند ابن حزم ولكنه من غير المرجح أنها لم تك زوجة الشاعر نفسه في إشارة أبي الفرج.
خطابته:
تنم خطب ورسائل قطري بن الفجاءة عن فحولة بلاغية وجملٍ جياشة رنانة خالية من حوشي الكلام وتكلفه، وهي مع هذا تدل على إيمان عميق زاهد بدنيا وحذر من عاقبة أخروية وهي أيضاً على نقيض تام مما أشيع وعرف عنه من استحلال دماء المسلمين وسبي ذراريهم وتقتيل أطفالهم –والله أعلم بحاله، وقد أشار الجاحظ إلى أنه من خطباء الخوارج وأن له خطبة طويلة مشهورة وكلاماً كثيراً محفوظاً(39). وسنأتي بنصوص بعض خطبه ورسائله ومنها الخطبة الطويلة المشهورة التي ذكرت في كتب الأدب والتاريخ.
-خطبة له ذكر فيها الدين قالوا: من أشد منا قوة فقال: حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وأنزلوا فلا يدعون ضيفانا، وجعلوا لهم من الضريح أجبتنا، ومن التراب أكفانا، ومن الرفات جيرانا، فهم جيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيفا، إن أخصبوا لم يفرحوا، أو أقحطوا لم يقنطوا، جميع أوحاد، وجيرةٌ أبعاد، لا يزورون ولا يزارون. فاحذروا ما حذركم الله، وانتفعوا بمواعظه واعتصموا بحبله(40).
-قال الجاحظ: كتب الحجاج بن يوسف إلى قطري بن الفجاءة: "سلام عليك. أما بعد فإنك مرقت من الدين مروق السهم من الرمية. قد علمت حيث تجرثمت ذلك أنك عاص لله ولولاة أمره، غير أنك أعرابي جلف أمي تستطعم الكسرة وتشتفي بالتمرة والأمور عليك حسرة.
خرجت لتناول شبعة فلحق بك طغام صلوا بمثل ما صليت به من العيش، يهزون الرماح، ويستنشئون الرياح، على خوف وجهد من أمورهم، وما أصبحوا ينتظرون أعظم مما جهلوا معرفته، ثم أهلكهم الله بنزحتين والسلام".
فأجابه قطري بن الفجاءة:"من قطري بن الفجاءة إلى الحجاج بن يوسف. سلام على الهداة من الولاة الذين يرعون حريم الله ويرهبون نقمه. فالحمد لله على ما أظهر من دينه، وأطلع به أهل السفالة، وهدى به من الضلالة، ونصر به عند استخفافك بحقه. كتبت إليّ تذكر إني أعرابي جلف أمي أستطعم الكسرة وأشتفي بالتمرة، ولعمري يا ابن الحجاج أنك لميت في جبلتك، مطلخم (متكبر) في طريقتك، واه في وثيقتك، لا تعف الله، ولا تجزع في خطئتك، يئست واستيأست من ربك: فالشيطان قرينك لا تجاذبه وثاقك، ولا تنازعه خناقك، فالحمد لله الذي لو شاء أبرز لي صفحتك، وأوضح لي طلعتك، فوالذي نفس قطري بيده لعرفت أن مقارعة الأبطال ليس كتصدير المقال مع أني أرجو أن يدحض الله حجتك، وأن يمتعني مهجتك"(41).
-قال الجاحظ: صعد قطري بن الفجاءة منبر الأزارقة.. فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: "أما بعد فغني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة، حفت بالشهوات وراقت بالقليل وتحببت بالعاجلة وحليت بالآمال وتزينت بالغرور، ولا تدوم حبرتها ولا تؤمن فجعتها، غرّارة ضرارة خوّانة غدّارة، وحائلة زائلة ونافذة بائدة، أكالة بذلة نقالة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا عنها أن تكون كما قال الله تعالى: (كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً). مع أن امرؤاً لم يكن منها في حيرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهراً، ولم تطله غيثة رخاء إلا أهطلت عليه مزنة بلاء. وحري إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة، وإن جانب منها اعذوذب وأحلولى أمر عليه جانب وأوبى، وإن أتت امرؤاً من غضارتها ورفاهتها نعماً أرهقته من نوائبها تبعاً، ولم يمس أمرؤ منها في جناح أمن إلا أصبح منها على قوادم خوف، غرّارة غرور ما فيها، فانٍ ما عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التقوى. من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه ويبكي عينيه. كم واثق بها قد أفجعته وذي طمأنينة إليها قد صرعته وذي اختيال فيها قد خدعته وكم من ذي أبهة بها قد صيرته حقيراً وذي نخوة قد ردته ذليلاً وكم من ذي تاج قد كبته لليدين والفم، سلطانها دول وغيثها رنق وعذبها أجاج وحلوها صبر وغذاؤها سمام وأسبابها رمام وقطافها سلع، حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم ومنيعها بعرض اهتضام، مليكها وعزيزها مغلوب وسليمها منكوب وجامعها محروب، مع أن وراء ذلك سكرات الموت وهول المطلع والوقوف بين الحكم العدل، ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعماراً وأوضح منكم آثاراً وأعد عديداً أكثف جنوداً وأعند عنوداً، تعبدوا للدنيا أي تعبد وآثروها أي إيثار وظعنوا عنها بالكره والصغار، فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم نفساً بفدية أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب، بل قد أرهقتهم بالقوادح وضعضعتهم بالنوائب، وعقرتهم بالمصائب، وقد رأيتم تنكرها لمن زان لها وأخلد إليها حين ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند، هل زودتهم إلا الشقاء وأحلتهم إلا الضنك أو نورت لهم إلا الظلمة أو أعقبتهم إلا الندامة، أفهذه تؤثرون أم على هذه تحرصون أم عليها تطمئنون. يقول الله:{من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}. فبئست الدار لمن أقام فيها فاعملوا وأنتم تعلمون إنكم تاركوها لابد، فإنما هي كما وصفها الله باللعب واللهو وقد قال الله تعالى:(أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون)(42). والخطبة تلك مطولة في العقد الفريد أيضاً.
ما مضى هو بعض من أخبار قطري بن الفجاءة المازني الفارس الشجاع والشاعر الخطيب الملهب وهو ما أعجبني فيه، بينما أتوقف عن ما ذكروا من عقيدته فإن اجتهد فقد بالغ وغالى فمرق كما قالوا والله أعلم بحاله.
ومهما يكن فإنه معدود بين فرسان العرب وشجعانها وشعرائها وخطبائها وكان معدوداً في حيز تاريخي مهم من الزمن.
الهوامش :
1-الخوارج في العصر الأموي ص216.
2-الكامل ج2، ص2883.
3-المعارف، ص411.
4-البيان والتبيين، ج3، ص134.
5-المرجع السابق نفسه.
6-الخوارج، ص226.
7-الأفعال، ج1، ص265.
8-لسان العرب (قطر).
9-العقد الفريد، ج3، ص265.
10-البيان، ج3، ص134.
11-تابع العروس (قطر).
12-جمهرة أنساب العرب، ص212.
13-المؤتلف والمختلف.
14-لسان العرب (قطر).
15-المعارف، ص600.
16-البيان، ج1، ص185.
17-المعارف، ص411.
18-الخوارج، ص227.
19-المحبر، ص302.
20-الكامل، ج2، ص302.
21-العقد الفريد، ج1، ص83.
22-الكامل، ج2، ص251.
24-عيون الأخبار، ج1، ص266.
25-الأفعال، ج1، ص265.
27-لباب الأداب، ص225.
28-حماسة البحتري، ص217.
29-حماسة أبي تمام، ج1، ص281.
31-الخوارج في العصر الأموي، ص262.
32-حماسة أبي تمام، ج1، ص24، ولباب الآداب، ص224.