- أدب المقاومـة ومتغيرات العصر
شاع مصطلح "أدب المقاومة" في الحياة الثقافية خلال النصف الآخر من القرن العشرين, تحديدا بعد معارك 1967 بين العرب وإسرائيل. فكانت الأشعار التي تسربت من الأرض المحتلة بفلسطين إلى عواصم الدول العربية بأقلام محمود درويش وسميح القاسم وغيرهما, لقبوا في حينه بـ "شعراء المقاومة". ولما تعددت الكتابات الإبداعية في أجناس الأدبية المختلفة في إطار النمط المقاوم.. كان "أدب المقاومة" مصطلحا جديدا.بعد مضى كل تلك السنوات, ربما يمكن تقديم محاولة لتعريف أدب المقاومة, الذي هو:"الأدب المعبر عن الذات (الواعية بهويتها) و (المتطلعة إلى الحرية)... في مواجهة الآخر المعتدى. على أن يضع الكاتب نصب عينيه..جماعته / أمته, محافظا على كل ما تحفظه الجماعة من قيم عليا."لا تعنى "الحرية" هنا معنى الخلاص الفردي, وفي هذا التحديد ما يميز أدب المقاومة عن غيره. كما تعد "التجربة الحربية" من أهم محاور أدب المقاومة. إن عمر الحرب يكاد يناهز عمر الإنسان على الأرض. منذ معركة قابيل وهابيل والصراع قائم , ولا يبدو زواله, ذاك الصراع الذي غالبا ينتهي بالحرب . لم تكن الفنون التي ابتدعها الإنسان, إلا لبث روح المقاومة في صراعه مع القوى الأخرى التي تهدده و تعرض كيانه للخطر. ما كانت النار, الأعاصير, والصراع, والحيوانات المفترسة وغيرها.. إلا قوى شريرة أو حتى نافعة, لكنها قادرة ومهلكة. لقد تعامل الإنسان مع فكرة الصراع.. فكانت الأساطير, الملاحم, والفنون.تجربة الحرب ليس لها مثيل. ربما لأن الرجال المشتركين في الصراع يشعرون أنهم تخطوا حاجز الموت.. على الرغم من كل المتناقضات التي عاشوها. ففي تلك التجربة يصبح الفرد وجها لوجه أمام الموت والحياة, الشراسة والشفقة, الدفاع عن الحياة في مقابل الهلاك. يخوضها المحارب مدفوعا من الجماعة, والتي تبارك موته, بينما جبلت النفس البشرية على حب الحياة. ومع ذلك مهما كانت التجربة كريهة فإنها تكشف عن الأصيل في حياة الفرد والجماعة مثل الشجاعة والإخلاص والفداء والإيثار, في مقابل الأنانية والغرور والباطل والظلم.والآن ترى ما هي أهم خصائص أدب المقاومة ؟.. التعبير عن الذات الجمعية والهوية... إنه أدب الوعي والحث على تجاوز الذات الفردية فترة الأزمات والحروب والاضطهاد... إنه الوعي بالآخر العدواني وكشف أخطائه وأخطاره, من أجل المزيد من الوعي بالذات والهوية.. من أجل مستقبل أفضل... إنه أدب إنساني من حيث هو دعوة لتقوية الذات في مواجهة الآخر, وليس دعوة للعدوان... تتنوع موضوعات التعبير في أدب المقاومة في المتناولات المختلفة منها: تناول موضوعات البطولة في مواجهة الآخر العدواني في الحروب أو في مقابل الظلم, ويتبنى مبدأ الدفاع عن الحياة الفاضلة.في إطلالة سريعة على معطيات الأدب العربي, تتجسد المحاور المقاومية, في الشعر العربي القديم المسمى بالشعر الجاهلي, سنتخير بعض منها... إن القاري الواعي والمسلح بالفهم النقدي الجديد, سوف يتأكد من مقولة مفادها: أن الشعر العربي القديم لم يكن وصفيا ولا مصدرا للرزق, كما لم يكن على هذه الدرجة من الحدة والانفعالية إلى حد الدعوة للحرب. فلم تكن البيئة بكل عناصرها إلا عناصر شيد بها الشاعر بذكائه الفطري بناء قصيدته المتأملة المعبرة, ولم تخل من القضايا الكونية التي بدت في الأسئلة التي طرحها, ولا من قضايا قبيلته الأيديولوجية.لعل قصيدة "زهير بن أبى سلمى" اللامية ومعلقته الشهيرة من النماذج التي تكشف عن ذاك الأدب الذي يشارك في هموم قبيلته وأهله مع الحفاظ على القيم العليا. تقع القصيدة في ثلاثة وستين بيتا, منها هذه الأبيات التي يخاطب فيها المترددين في نبذ الحرب بين قبيلتين من العرب "عبس" و "ذبيان" وقد طالت لسنوات وسنوات فيقول:"فلا تكتمن الله ما في نفوسكم.. ليخفى, و مهما يكتم الله يعلميؤخر, فيوضع في كتاب, فيدخر.ليوم الحساب, أو يعجل, فينقموما الحرب إلا ما علمتم و ذقتم..وما هو عنها بالحديث المرجم"على الرغم من تعدد صور أدب المقاومة في الشعر العربي, من إزكاء الثقة بالنفس في حالة الحرب أو الاستعداد لها أو الدعوة إلى الانتماء والتمسك بالهوية أو الافتخار بأيام الانتصارات الكبرى أو الإعلاء من شأن القوة وغيرها.. إلا أن قيمة نموذج قصيدة "زهير" تشير إلى أن أدب المقاومة لا يعنى العنف والصوت الزاعق لأنه أدب إنساني في المقام الأول.وقد خاض الأدب العربي تجارب شديدة الوطأة أثناء معارك الصليبيين والمغول منذ القرن الخامس الهجري ولمدة حوالي أربعة قرون.فكانت قصائد الدعوة للجهاد, والتغني بالانتصارات من أجل المزيد من الجهاد. ولا تخلوا الأعمال الإبداعية من المراثي بما يشعر به العامة من الناس, والخاصة, حزنا على أبطالهم الشهداء. وهناك "القدسيات" التي تتغنى بالقدس المحتل أو المسلوبة.ربما من المجدي التوقف قليلا أمام تلك النماذج التي كتبت في أدب المقاومة أثناء هجمة المغول الشرسة, فكانت القصائد التي تبحث في طبيعة الصراع بين المسلمين والمغول. فهو في جانب منه صراعا بين الإيمان والكفر, فعبر الشاعر عن ذلك بعد انتصار المسلمين. ت فى658 هجرية وقال:هلك الكفر في الشام جميعاواستجد الإسلام بعد دحوضهوفي رؤية لشاعر آخر, ترجع قوة الغدر القادمة من الشرق إلى ضعف ألم بخلافة المسلمين . وقد عبر الشاعر في ذلك قائلا:والله يعلم أن القوم أغفلهمما كان من نعم فيهن إكثارفأهملوا جانب إذ غفلوافجاءهم من جنود الكفر جباريا للرجال لأحدثت تحدثنابما عدا فيه أعذار و إنذارواضح ما يعنيه الشاعر من أن الترف والملذات أدت إلى غفلة الناس عن حقوق الله, فكان انتقام الله على يد المغول .وفي جانب ثالث يرى شاعر آخر أن سبب ما حدث من كارثة هو أن فقد العرب العون فيما بينهم فحلت المصائب. قال "أبو شامة المقدسى" في ختام قصيدته قائلا:"لم يعن أهلها وللكفر أعوانعليهم يا ضيعة الإسلاموانقضت دولة الخلافة فيهاصار مستعصم بغير اعتصام"أدب المقاومة إذن هو الكلمة المتأملة الناقدة التي تبحث عن الأسباب ولا تبرر الخطأ بل تدعو إلى تعضيد الذات في مواجهة الآخر العدواني.تكثر الأمثلة, وتتعدد الآراء ووجهات النظر, ويبقى أدب المقاومة دوما تعبيرا عن محاولة الإنسان منذ قديم الزمان وحتى الآن.. يبقى صوت الحق في مواجهة الباطل, ليس بتعزيز القدرة على مواجهة الآخر فقط, ولكن بتعزيز الذات (الجمعية) و تعظيم عناصر قوتها........... الآن ومع بدايات الألفية الثالثة حاصرتنا "العولمة" وكأننا أمام كائن مفترس غريب يغزو مضاجعنا فجأة. ليس تهوينا من ذلك المصطلح ولا تهويلا, لكنها الحقيقة الجديدة التي يستشعرها العامة والخاصة. وقد بات السؤال: هل نحن في مضمار سباق إلى القاع أم إلى قمة؟! أم نعيش وهما خالصا؟. لعل أهم الأسئلة: ماذا عن الهوية.. عن الذات الجمعية والانتماء الوطني والقومي.. في مقابل هذه الهجمة مجهولة المنبع والمصب؟أصبح مصطلح "العولمة" على درجة من الشيوع والانتشار بحيث يكفى الإشارة إليه لتتجدد الأسئلة.. هل هي نهاية التاريخ كما يقول "فوكوياما" اليابانى؟ أم هي صدام الحضارات المتوقع كما يقول "صامويل هنتينجتون"؟ .. ولا إجابة إلا القول بأننا نعيش عصرا جديدا, بحيث يجب ألا ننشغل إلا بالبحث في المزيد من عوامل الربط من أجل المزيد من الانتماء بالقبض على قيم الهوية الأصيلة وتشييد البناء من جديد.أمام بشائر الثورة المعلوماتية وإمكانات ثورة الاتصالات الجديدة.. اكتشف الإنسان المأزق. عرف أن زيادة السكان على الأرض تنمو بمتوالية هندسية, وأن المعرفة الإنسانية تتضاعف مرة كل 18شهرا, وأن ثورة التكنولوجيات الجديدة تغزو جسده وترسم خريطة دينية تحدد مستقبل أمراضه المتوقعة, كما لو كان "الرجل الأخضر" الشخصية القصصية سوف نصنعها عنوة أو هكذا ظن البعض. عموما شاع مصطلح العولمة بالعقد الأخير من القرن العشرين, خصوصا بعد انهيار سور برلين, وسقوط الاتحاد السوفيتي, وقد شاع من قبل الشعار: "فكر عالميا ونفذ محليا". وتعمدت في القرن الجديد برسوخ عوامل محركة ودافعة, منها: ثورة التكنولوجيا والاتصالات, طبيعة السوق الجديدة مع اعتبار المواد الخام والمنتجة كلها ذات طبيعة دولية, سقوط نظرية الاقتصاد الموجه, مع تغير في خريطة ميزان القوى السياسية في العالم.وبالقدر نفسه تخوف البعض من آثار العولمة, وهى تتمثل في اضمحلال دور الدولة الذي ينحصر في وضع السياسات, التخوف من التغييرات الاجتماعية المتوقعة عن سقوط وارتفاع اقتصاد الدول على حسب قدرتها على مواجهة أو التعامل مع مفاهيم آليات السوق الجديدة, الخوف على شعار بيئة عالمية نظيفة, كما تتبدى بعض المخاوف الأمنية وظهور بذور جماعات إرهابية وغيره. لذا تعد "الثقافة" وعلاقتها أو تأثرها بالعولمة فهو محور الارتكاز هنا, لأن سيطرة التكنولوجيا الفائقة ربما يخلق الانحلال الخلقي, التفكك الأسرى, العنف وأشكال جديدة من الجريمة, وربما الانتحار. ربما بسبب زوال الفاصل بين الواقع الحقيقي والخيال, وربما لأسباب أخرى. أما وقد نوقشت تعريفات القومية أو الوطن بالمعنى المعاصر مع القرن الثامن عشر نظرا للمتغيرات الصناعية والاقتصادية, بينما كان مفهوم الهوية والانتماء مرتبطا من قبل بالنظر إلى الحاكم.. أتسع الأمر في القرن التاسع عشر مع اتساع التجارة العالمية كي يتضمن المفهوم (أي القومية) مفهوم الهوية الوطنية وبالتالي ارتبط بالمصالح الاقتصادية للدولة.الطريف أنه مع بداية القرن العشرين تنبأ البعض بتلاشي القومية وهو ما جاء نقيضه على أرض الواقع.. بل رسخت أكثر عما قبل , خصوصا وقد كانت أحداث الحرب والاستعمار تعم العالم كله. وعلى الرغم من تعقد العلاقة بين القومية والوطنية, إلا أنه يبقى للوطنية تميزها الثقافي الذي يربط بين أفراد المجتمع المرتبطين برقعة أرض ما, أو بالوطن.. وبالتالي تأتى مفاهيم "الانتماء" و "الهوية" بما يؤكد الجانب العاطفي والشعوري لهؤلاء وهؤلاء.. في الوطن الواحد.لكن السؤال الآن: هل البحث عن الهوية الآن في مقابل كل التخوفات من العولمة يعتبر نقيض القول والفعل مع المتغيرات.. أو دعوة للانغلاق في مقابل العولمة والانفتاح. الحقيقة أن الانتماء والوطنية هما جوهر الهوية. فالوطنية ثقة بالأنا الجمعية, لمجموعة تعيش على أرض مشتركة, يشعرون بالولاء والانتماء للأرض والالتزام بمجموعة المفاهيم الرابطة مع استيعاب لذاكرة جمعية تتمثل في جوهر العادات والتقاليد والقيم العامة. كما أن الوطنية ليست التعصب ضد الآخر, ولا الغرور بالذات ولا الانغلاق على الذات, ولا هي دعاوى باطلة للاعتداء على الأخر.الوطنية هي محور الارتكاز لاستيعاب الماضي والانطلاق إلى المستقبل... ولا نتصورها ضد العولمة, بل انفتاح على العالم بلا غرور ولا انبهار أو إحساس بالدونية. وبالتالي انفتاح على الإنسانية بكل مفاهيمها وأننا جزء من عالم أرحب. لذا فالمشاركة مع الآخر وبلا افتعال بالتشدق بمصطلحات أكبر هو جوهر العلاقة بين الهوية والعولمة.لكن السؤال: كيف يمكننا الدخول في فعاليات العولمة والمشاركة الايجابية معها وفيها؟لا يتم ذلك إلا بعد التسلح.. بالوعي بملامح هذا العالم الجديد, ومفاهيمه وملامحه.. وأن نكون على أرض صلبة وواعية لأمراض العصر مثل الإيدز كمرض بيولوجى, وأمراض السوق الحرة (انهيار الاقتصاديات الصغيرة) كمرض اقتصادى. أن تصبح ثورة المعلومات إلى جانبنا وليست ضدنا, بالمشاركة في وسائلها التكنولوجية, والتأهيل العلمي والمعرفي لاستيعاب المعلومات والتعامل معها بموضوعية علمية للاستفادة منها بأكبر قدر وليس للوقوف أمامها بالرفض المطلق. <<< يتبــع