المرأة ... الطفرة الجديدة
بقلم : الاستاذ محمد المختار الفال - مستشار إعلامي
الطفرة البترولية .. الطفرة الزراعية .. الطفرة العقارية .. طفرة الأسهم .. طفرة التخسيس .. طفرة الإنترنت، طفرات متتالية تستغرق حياة الناس، يفرغ فيها الجهد وترتفع الأصوات وما تلبث أن تخمد الأنفاس وتتجه الأبصار إلى طفرة جديدة.
فهل نحن أهل مزاج "طافر" يخطفه كل ما يلمع؟، أم نحن أهل ثقافة وفكر ينفعل بالأشياء وتحاصره فلا نملك فسحة التأمل وأدوات التخطيط وعزيمة الإصرار فما هي إلا فترة يتراخى حماسنا وتفتر هممنا وتتراجع إرادتنا وتعجز قدراتنا عن المضي في "مشاريعنا"؟ أم نحن أناس ندخل ميدان السباق قبل أن نعرف طوله ومدته ومايحتاجه من تدريب جسدي واستعداد نفسي؟ وهل نحن مجتمع تكاثرت عليه القضايا وتاهت به السبل وضاقت عليه المخارج واختلطت مناهجه وفقد المؤسسات التي تعينه على ضبط خطواته واستثمار طاقاته فأصبحت مجالسنا وخلواتنا مساحات لإفراغ الطاقات في مشاريع لا تتجاوز حد "الصوت" ننساها عند أول مفترق طرق أو عند أول عقبة يضعها من لا يرى رأينا؟.
هل ظاهرة الطفرات التي تكسو مزاجنا الإجتماعي والثقافي والإقتصادي هي علامة صحة تدل على حيوية تقاوم حالة الركود والجمود التي تثقل مفاصل حركة المجتمع أم هي إشارة خلل تنبئ عن حراك لا إرادي في نسيجنا الإجتماعي ومكوناتنا الثقافية وحياتنا الفكرية وأفقنا الفقهي والأخلاقي؟
سأترك هذه التساؤلات لمن لديه إجابة - وهي تحتاج يقيناً لأكثر من مقال في صحيفة – لأبدي بعض الملاحظات حول "الطفرة الجديدة" التي تجتاح المجالس واللقاءات وبعض وسائل الإعلام: إنها المرأة التي أصبحت فجأة – طبقاً لقانون الطفرات – على رأس الأولويات وكأنها اكتشاف جديد يتدافع الناس لمناصرته وتقديم الحلول له وإنقاذه من كارثة محيقة به.
يصرخ الذين اقترفوا جريرة وجريمة حرمانها من حقوقها بأن المرأة في خطر متذرعين بالحرص عليها وحمايتها من الذئاب ولصوص الشرف وفاقدي النخوة وأن المرأة هي ميدان المعركة الجديد، والخاسر فيه لن تقوم له قائمة.
وترتفع أصوات من يختزلون علل المجتمع وأمراضه ومظاهر ترهله وفساده في الإدارة والإقتصاد والتربية وقنوات الإنتاج وإتساع رقعة البطالة كلها في قضية المرأة، وكأن كل أحوالنا صالحة، و لا ينقص صورتنا المتحضرة ولا يعيقها إلا أن تكشف المرأة وجهها وتبدي زينتها وتلعب في المنتخب الوطني لكرة القدم وتعزف السيمفونية الخامسة وتتهادى على أنغام بحيرة البجع.
وحتى لا نجعل المرأة وحقوقها وقضاياها موضوعاً موسمياً، نتعامل معه بأسلوب الطفرات واغتنام الفرص حتى يأتينا ما هو أكثر بريقاً منه فننصرف إليه وتبقى المرأة نصف المجتمع- حقيقة لا مجازا- في همومها ولا يبقى معها إلا الذين لا يغريهم بريق الطفرات ومكاسبها العاجلة.. ولنجنب قضايا المرأة في مجتمعنا السعودي روح "سماسرة" الظواهر الاجتماعية نحتاج إلى عمل جماعي يستمثر طاقات المجتمع وخبرات المؤسسات وفرص الإستيعاب في قطاعاتنا الإقتصادية والتربوية والإعلامية .. ليس من مصلحة المرأة ولا المجتمع أن تبدو قضيتها نقطة إفتراق بين تيارات فاعلة ومؤثرة، فالقدر المشترك بين الجميع هو الإعتراف بأن للمرأة حقوقاً مهدورة على مستوى التطبيق في حياتنا، حقوقياً وإجتماعياً وإقتصادياً ووظيفياً، والخلاف حول هذه الحقوق بين تيارات المجتمع يتعلق بالقدر الذي يراه كل طرف والوسيلة والكيفية التي تضمن تمكين المرأة من حقوقها.
أعتقد أن مصلحة المرأة – وهي شريك في تقدير هذه المصلحة – تقتضي من جميع المخلصين لها – محافظين ومتحررين - أن يتجهوا نحو البرامج العملية وإشراك المرأة المفكرة والمثقفة والفقيهة في أسلوب ووسائل تنفيذ هذه المشاريع فالمرأة القدوة في جميع القطاعات هي القادرة على تحريك بنات جنسها وهي المسؤولة والمدركة لطبيعة واقعها والأقدر على تلمس احتياجاتنا ووضع الأولويات بدل أن يترك الأمر لآخرين – لو أحسنا بهم الظن – لقلنا أنهم ينشغلون بالمفاهيم العامة التي تغفل عن حاجات الواقع.
ليس من مصلحة المرأة وقضاياها في هذه المرحلة أن تكون ميداناً تصفي فيه بعض تيارات المجتمع حساباتها أو تستعرض فيه قوتها وقدرتها على ترجيح ما تراه .. وبصورة أوضح أقول: ليس من مصلحة المرأة ومشروع رفع الظلم عنها وتمكينها من حقوقها أن يقف التيار المحافظ – بكل أطيافه ودرجاته – في وجه المشاريع الاقتصادية والثقافية والرياضية والإعلامية التي تعطي المرأة مساحة أباحتها مدارس الإسلام الفقهية وإن خالفت بعض العادات ورأي فيها البعض مالا يرتضيه لأهله، كما أنه ليس من مصلحة المرأة وقضاياها أن يدفع تيار التجديد – بكل أطيافه ودرجاته – قضية حقوقها إلى "الحافة" دون مراعاة مقتضيات الزمان و المكان، وهو الذي يطالب في طروحاته بالنظر إلى نصوص الشرع في إطارها الزمني و المكاني.
إن "التجاذب" الذي يجعل قضية المرأة وحقوقها ومساهمتها في تقدم مجتمعنا وسيلة إلى كسب "أرض" جديدة على حساب الخصوم لن يؤدي إلى تقدم مثمر وتنمية حقيقية لهذا القطاع المهم من المجتمع.
أعتقد أن المخلصين للمرأة وقضاياها في مجتمعنا المحافظ مطلوب منهم التدرج و الموضوعية وتقدير الواقع والمساهمة في إبتكار الأفكار والمشاريع والطروحات التي تساعد المرأة على المشاركة الحقيقية في الحياة.. ولا يتوهم بعض المتحمسين من أنصار رفع الظلم أن كل نساء مجتمعنا متحفزات وراء الأبواب ينتظرن صرخة التحرر لينطلقن إلى الطرقات وقد خلعن ضوابط المجتمع .. هذه صورة متوهمة في أذهان البعض ويعرف الكثير من القيادات النسائية أنها غير حقيقية، وفهم الأسباب ليس صعباً إذا أدركنا أن المرأة السعودية يشترك في تكوين إدراكها وقناعتها وثقافتها ، ما يكون ثقافة وقناعة شقيقها الرجل، فهناك المحافظات – وهن الكثرة – وهناك المتشددات المرتابات في كل دعوة تخالف مايرين صوابه كما أن هناك الساخطات المتذمرات. وهاتان الفئات أكثر ضجيجا وأعلى صوتا لكن المنتميات إليهما لا يشكلن الأكثرية المحتاجة إلى المناصرة العاقلة.
باختصار أرى أن قضية المرأة في بلادنا تحتاج إلى إخلاص في التوجه وتصميم على رفع الظلم وبصيرة في التناول وبرامج عملية قابلة للتطبيق يرتضيها المجتمع المحافظ في إطار مبادئه العامة.
...